ستسلام سيريزا والدروس المستفادة للطبقة العاملة

٢٢ شباط فبراير ٢٠١٥

إن البرجوازية الصغيرة "كما سنرى ليس بإمكانها سوى تدمير أي حركة تسلم نفسها لها" فريدريك انجلز (1852)

*** 

بعد أقل من شهر واحد تخلت حكومة سيريزا اليونانية - بقيادة رئيس الوزراء أليكسيس تسيبراس - عن برنامجها الانتخابي الرافض لسياسة التقشف، وخانت بشكل كامل الطبقة العاملة الفقيرة التي أوصلتها بأصواتها إلى مقاليد السلطة.

وحتى في مجمل التاريخ البائس للسياسة البرجوازية الصغيرة "اليسارية" فإنه من الصعب أن نجد مثالاً للخداع والاستخفاف والضعف المقزز يضاهي مافعله رئيس الوزراء تسيبراس. فمن المؤكد أنه من ناحية الوقت المنصرم مابين الانتخابات وفعل الخيانة، فلربما أن حكومة سيريزا قد ضربت رقماً قياسياً.

وفي الساعات التي تلت الاتفاقية التي لا تُعد سوى استسلاماً كاملاً للاتحاد الأوروبي، أطلق تسيبراس للمرة الثانية وابلاً من الأكاذيب الغوغائية في محاولة بائسة لإنكار مدى انبطاح سيريزا وللتغطية على إفلاسه السياسي.

وفي كلمة مُتلفزة بدت وكأنها منفصلة عن الواقع، أعلن تسيبراس: "لقد حافظنا على اليونان منتصبة وكريمة". فقد ادّعى أن الاتفاقية مع وزراء مالية مجموعة اليورو "تلغي التقشف". وأضاف تسيبراس: "لقد حققنا الكثير في أيام معدودة، ولكن أمامنا طريق طويلة. لقد اتخذنا خطوة حاسمة لتغيير المسار داخل منطقة اليورو."

كل هذا عارٍ عن الصحة، فبيان مجموعة اليورو الذي وقعه سيريزا يُلزم حكومته بأن "تمتنع عن التراجع عن أي تدابير أو أي تغييرات أحادية الجانب للسياسات والإصلاحات الهيكلية". وبمعنى آخر فالحكومة اليونانية ستستمر في فرض سياسات التقشف الحالية التي وضعتها الحكومة السابقة.

وعلاوة على ذلك، فإنّ على حزب سيريزا أن يُعد للمزيد "من التدابير الإصلاحية بناءً على الترتيبات الحالية" المحددة في المذكرة الكريهة، التي تعهد تسيبرس في السابق بالتنصل منها. وبالرغم من أن سيريزا كان قد أصر على أنه سيشطب دين اليونان الضخم، فإن الاتفاقية المضرمة مع مجموعة اليورو تنص على أن البلد سوف "يفي بالتزاماته المالية لجميع الدول الدائنة بصورة كاملة وفي الوقت المحدد".

وبعيداً عن قطع العلاقات مع الترويكا، فقد تعهدت الحكومة بالتنسيق الوثيق مع المؤسسات والشُركاء الأوروبيين والدوليين، وبصفة خاصة البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي اللذان يشكلان مع الاتحاد الأوروبي الترويكا. وكما كان الحال من قبل "فإن أي إنفاق من الشريحة المستحقة للبرنامج الحالي المعروف باسم [مرفق الاستقرار المالي الأوروبي]" يعتمد على مراجعة من قبل "المؤسسات المختصة". وعليه فستظل اليونان تحت القبضة الخانقة للترويكا.

فلم يتلقَّ تسيبراس وشريكه في عملية التفاوض – وزير المالية يانس فاروفاكس – أية امتيازات من الاتحاد الأوروبي باستثناء تعديلات طفيفة في صياغة الاتفاق ليس لها أية أهمية على الإطلاق من الناحية العملية.

وفي حين يحاول المدافعون عن تسيبراس وحزبه سيريزا الدفاع عن الخيانة البائسة للحكومة وتقديمها على أنها انتصار بطولي، فإن الصحافة الرأسمالية في أوروبا والولايات المتحدة لم تلطف من حدة لهجتها عن حجم استسلام رئيس الوزراء.

فقد كتبت صحيفة الفاينانشيال تايمز من لندن: "إن كان هذا هو التحدي للبديهيات الاقتصادية الألمانية فقد باء بالفشل". "فقد حقق الألمان انتصاراً شاملاً على صعيد المسائل الجوهرية".

أما صحيفة الفرانكفورتر ألجميني زيتونج فقد أعلنت أنه "مع قدوم الحكومة الجديدة بقيادة حزب سيريزا اليساري، ستواصل اليونان برنامج الإنقاذ المالي السابق، وأن التمويل سيقَدّم فقط في حال قيام الدولة بالإصلاحات المطلوبة".

وتصف صحيفة لوموند الاتفاق بصراحة قائلة: "لقد تعهدت أثينا بإنهاء العمل الذي بدأته حكومة المحافظين السابقة بقيادة أنتونيس سمارس حيث ستطبق الإصلاحات المفروضة من قبل الترويكا المؤلفة من الدائنين - صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي والاتحاد الأوروبي - والتي لم تُنفَّذ بعد.

بينما تتنبأ صحيفة وول ستريت غير مخفية استمتاعها بمشهد استسلام تسيبراس للاتحاد الأوربي بالمزيد من الخضوع. ففي مقال بعنوان "على تسيبرس توقُّع المزيد من الإذلال"، كتبت الصحيفة التي تُعد الصوت الرئيسي لعاصمة المال الأمريكية: "لقد استسلم السيد تسيبرس في العديد من القضايا خلال الأسبوع المنصرم ... ولكن سيكون عليه أن يقدم المزيد من التنازلات الأخرى إذا كان جاداً في وضع اليونان في منطقة اليورو مرة أخرى بعيداً عن الشكوك".

من وجهة نظر مصالح الطبقة العاملة، فإن الاتفاقية التي وقعتها حكومة سيريزا تُعَد جريمة خيانة. بينما من وجهة المصالح الاجتماعية والاقتصادية الحقيقية التي يمثلها نظام سيريزا – وهي قطاعات من النخبة الحاكمة اليونانية والطبقة الوسطى العليا الثرية – فإن الصفقة ليست إلا مخيبة للآمال. ورغم تشدقات تسيبرس – الموجّهة في الأساس لخداع وتضليل الطبقة العاملة في اليونان – فإن استراتيجية المفاوضات التي اتبعها سيريزا خضعت بشكل كامل للمصالح الرأسمالية.

يبدو أن الطبقة الحاكمة اليونانية والطبقة الوسطى العليا كانتا تأملان أن تحققا انفراجة في الظروف التي عرقلت حصول الشركات اليونانية على اعتمادات مالية. في حين لم تكن لديهم رغبة حقيقية في مواجهة بنوك الاتحاد الأوروبي، وعارضوا تماماً أية تدابير من شأنها زعزعة استقرار الرأسمالية الأوروبية، هذا بخلاف تهديد شركاتهم الخاصة ومصالحهم المالية في اليونان.

وقد تبينت بشكل واضح الأهداف الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية لحكومة سيريزا من خلال تصريحات يانيس فاروفاكس وراء الأبواب المغلقة في مقابلة مجموعة اليورو في الحادي عشر من فبراير، فقد أعلن "إننا ملتزمون بإجراء إصلاحات هيكلية جذرية"، مضيفاً أن حكومة سيريزا "ستكون أكثر حكومة ذات توجُّهات إصلاحية في تاريخ اليونان الحديث، ومن أكبر الإصلاحيين المتحمسين في أوروبا".

و حتى لا يكون هناك من يتشكك في التزام سيريزا بحماية المصالح الرأسمالية، فقد أعلن فاروفاكس: "أما بشأن الخصخصة وتنمية الأصول المملوكة للقطاع العام، فإن الحكومة غير متعسِّفة بالمرة. فنحن مستعدون وراغبون في تقييم كل مشروع على حدة وعلى أساس حيثياته . وعليه فإن التقارير الإعلامية بشأن التراجع عن خصخصة ميناء بيرايوس هي أبعد ما تكون عن الصحة".

كما شجب فاروفاكس "التقارير المضللة" التي "أدت إلى سوء تفاهم مع شركائنا عن طريق الإيهام بأننا تراجعنا عن الإصلاحات السابقة وزدنا من ميزانيتنا".

وبعيداً عن التفكير في الخروج من منطقة اليورو، فإن فاروفاكس طمأن "زملاءه الأعزاء" بأن سيريزا تعتبر أوروبا "موحدة وغير قابلة للتقسيم، وأن الحكومة اليونانية تعتبر اليونان عضواً دائماً لايتجزأ من الاتحاد الأوروبي واتحادنا النقدي".

وأخيراً، طمأن فارروفاكس وزراء مالية منطقة اليورو أنه ليس هناك ما يدعو للخوف من سيريزا. وأعرب عن أسفه أن هناك من استاء لفوز سيريزا. "وأقول لهؤلاء إنكم تضيعون الفرصة بالنظر لنا على أننا خصوم".

لقد نجح فاروفاكس في حقيقة الأمر في إقناع الوزراء بخضوع سيريزا التام للترويكا إلى الحد الذي جعلهم لا يرون أية ضرورة لتقديم أي تنازلات على الإطلاق. وبما أنه لم يكن هناك ما يدعو للخوف من حكومة سيريزا، فقد تعاملوا معها بمزيج من الازدراء والقسوة تماماً كما تتعامل البنوك الكبرى مع الشركات الصغيرة المتعثرة.

إن أحداث الشهر الماضي تشكل تجربة سياسية كبيرة للطبقة العاملة في اليونان وأوروبا بل وفي العالم كله. إن الدور الذي لعبه سيريزا يمثل فضح خطير للطابع الرجعي الأصيل الذي يميز سياسات فئة من "يساريي" الطبقة المتوسطة نشأت من بقايا سياسات الطلاب اليساريين في الستينات والسبعينات. فبينما قادت المنظمات القديمة الستالينية والديموقراطية الاجتماعية والعمالية الإصلاحية الطبقة العاملة من هزيمة إلى هزيمة, انتفعت قطاعات من الطبقة المتوسطة بشكل مباشر أو غير مباشر من الصعود المدوّي في تعاملات البورصة العالمية الذي تلا صعود كل من تاتشر و ريجان إلى السلطة، والهيمنة العالمية للسياسات الاقتصادية اليمينية وخاصةً بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وإعادة الرأسمالية إلى الصين.

و مع تزايد ثراء هذه الطبقة المتوسطة المتميزة، فإن الموقف الاجتماعي والسياسي لقطاعات منها تجاه الطبقة العاملة تطور من القطيعة واللامبالاة إلى العداء المتزايد. وقد انعكست هذه العملية الاجتماعية الاقتصادية في التنصل الأيديولوجي لهذه القطاعات عن الماركسية التي أصبح من غير المقبول على الإطلاق الربط بينها وبين الدور الثوري للطبقة العاملة والكفاح ضد الرأسمالية.

فبدلاً عن سياسات الصراع الطبقي البروليتاري، تبنت الطبقة المتوسطة الموسرة مجموعة من "الأجندات القائمة على الهوية" منها العرق والجنس والتوجهات الجنسية، وقد شكلت هذه قاعدة لبرنامجها السياسي الذي سعت من خلاله إلى مصالحها. وبعيداً عن السعي إلى قلب علاقات الطبقة الرأسمالية، انشغلت هذه الأوساط الاجتماعية الموسرة وأحزابها السياسية بشكل رئيسي بتحقيق توزيع أكثر عدالة للثروة بين العشرة بالمئة الأكثر ثراءً في المجتمع. وفي حين يحقدون على هؤلاء ذوي الثراء الفاحش فإنهم يحتقرون ويخشون الطبقة العاملة.

وسيريزا ليس إلا واحداً من أبرز هذه المؤسسات السياسية العديدة التي نتجت عن هذه العملية الاجتماعية الاقتصادية. وهو لا يختلف عن مؤسسات مثل الحزب اليساري في ألمانيا وبوديموس في أسبانيا – ناهيك عن ذكر المزيد من المجموعات الأقل عدداً حول العالم – إلا في كونه الأول الذي يتولى قيادة حكومة وطنية.

وعليه فإن وصف الموقع الالكتروني للاشتراكية العالمية لهذه الأحزاب بأنها يسار زائف ليس قولاً مجازياً وإنما تعريف سياسي دقيق. فهي عبارة عن أحزاب بورجوازية تمثل قطاعات النخبة من الطبقة المتوسطة التي تحمل عداءً مريراً للعمال. إنهم ليسوا حلفاء وإنما أعداء شرسون. وعلى الفئة العاملة أن تعمل على الانفصال عنهم وتدمير أي محاولات من جانبهم للتأثير السياسي على الطبقة العاملة.

إن المدافعين عن سيريزا – الذين أشادوا بانتخابه قبل أسابيع على أنه "فجر جديد للشعب اليوناني" و "خطوة كبيرة إلى الأمام" – سيعلنون بدون شك أنه ما كان بالإمكان أكثر مما كان. إنهم يكشفون عن مصالحهم الطبقية بدعمهم هذا لسيريزا.

أما بالنسبة لسيريزا، فإنه بالتصديق على برنامج التقشف و السياسات الرجعية يضع نفسه في صراع مباشر مع الطبقة العاملة. وفي سعيه لفرض إملاءات البنوك في اليونان فسيكون على تسيبراس أن يعوّل بشكل مباشر على الدولة والشرطة لقمع معارضة الطبقة العاملة. وسوف تصطف خلفه قوى اليسار الزائف التي ساندت حكومة سيريزا.

ولن تتمكن الطبقة العاملة من المطالبة بسياسات أكثر راديكالية من حكومات يترأسها سيريزا أو أي من جماعات اليسار الزائف الأخرى. وسيكون عليها أن تدافع عن نفسها عن طريق بناء أحزاب جديدة مرتبطة بالطبقة العاملة تكون مستقلة تماماً عن كل قطاعات الطبقة الرأسمالية على أساس على برنامج ثوري عالمي موجه نحو إقامة سلطة عمالية واستئصال الرأسمالية وإقامة مجتمع الاشتراكية العالمية. هذه هي المهمة التاريخية التي تلتزم بها اللجنة العالمية للأممية الرابعة .

اللجنة العالمية للأممية الرابعة