الحرب في الشرق الأوسط والإمبريالية والدروس المستفادة من الثورة المصرية

By يوهانس ستيرن
٨ أيار مايو ٢٠١٥

هذه الخطبة ألقاها جوهانز ستيرن، العضو القيادي في حزب المساواة الاشتراكي في ألمانيا للتجمع العالمي لعيد العمال في مايو على الإنترنت، والذي نظمته اللجنة الدولية للأممية الرابعة

إن الموضوع الرئيسي لتجمع عيد العمال هذا هو المد المتصاعد للحرب والتهديد بنشوب حرب عالمية ثالثة. وليس هناك مكان في العالم يظهر ذلك فيه بوضوح أكثر من الشرق الأوسط. فهذا يعيد للذاكرة برميل البارود في البلقان قبل الحرب العالمية الأولى، ولكن إحتمالية العنف و التدمير أكبر بكثير اليوم. 

منذ تفكك الاتحاد السوفيتي و المنطقة تجد نفسها في حالة دائمة من الحرب. فنجد بلاداً كاملة تقبع تحت الركام، الملايين من الناس قضوا أو تحولوا إلى لاجئين. وهذا نتاج طموحات الإمبريالية الأمريكية التي بشر بها جورج بوش الأب لخلق "نظام عالمي جديد" أو "باكس أمريكانا (أي السلام الأمريكي)". ولم يكن هذا مجرد جنون عظمة . ولكن بدلاً من "النظام" و "السلام" سادت الفوضى والحرب والخراب.

كان الهجوم الإرهابي في الحادي عشر من سبتمبر 2001 نقطة تحول. لم يتم مطلقاً شرح خلفية هذه الأحداث. ولكن واشنطن استثمرتها لتنفيذ خطط حرب كانت معدة منذ وقت طويل تحت عباءة "الحرب على الإرهاب". وهكذا في 2001 تمت مهاجمة واحتلال أفغانستان. وتبع ذلك غزو العراق في 2003.  وأصبحت المصطلحات من قبيل جوانتانامو, أبو غريب، "الإستجواب المُعزز"، "الإيهام بالغرق" و" الطائرات بدون طيار القاتلة" مرادفة لأساليب التعذيب غير الشرعي وآليات القتل للإمبريالية.

كما كانت الحرب على الإرهاب علامة فارقة للنخب الحاكمة في أوروبا. فقد تبنت معظم الدول الأوروبية موقفاً حذراً من الغزو الأمريكي للعراق. ولكنها دعمت الحرب على أفغانستان بدون تحفظ. ولعبت دوراً محورياً في حرب الناتو في ليبيا و التدخل الفاحش في سوريا.  اليوم تقامر جميع القوى الإمبريالية أكثر من أي وقت مضى على مصير هذه المنطقة الغنية بالمصادر الطبيعية.

وتتدخل هذه القوى إما بشكل مباشر أو عن طريق تسليح وتمويل وكلائها المحليين. وفي ذات الوقت فإن "أصدقاء" الأمس يمكن أن يصبحوا أعداء اليوم والعكس. فالمافيا لها "ميثاق شرف" أما الإمبرياليون فيعرفون فقط "قانون الغاب". وهم يستخدمون كل تدخل كارثي كمبرر للحرب التالية.  ويلجأون إلى وسائل أكثر استخفافاً ووحشية لتعزيز مصالحهم الجشعة.

ففي ليبيا وسوريا قامت الاستخبارات الأمريكية وأجهزة استخباراتية أخرى بإثارة الحروب الطائفية من أجل إسقاط نظامي  معمر القذافي وبشار الأسد. ولتحقيق ذلك فقد تعاونوا عن قرب مع القاعدة  وميليشيات إسلامية متطرفة أخرى، انبثقت عنها لاحقاً الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش). وتستخدم هذه القوى الإمبريالة الآن جرائم داعش كحجة للتدخل العسكري المباشر بشكل أكبر. وهل نسي  العمال كيف مجد الإعلام الغربي فظائع الإسلاميين الوحشيين في سوريا حتى وقت قريب على أنها نضال من أجل التحرر من نظام الأسد!

كان كل من هذه الحروب يبرر بـالتزييف والأكاذيب الفجة. وكلما طالت الحرب تزداد الدعاية خداعاً. وهكذا بدأت بادعاءات وجود أسلحة دمار شامل في العراق  و تحرير المرأة في أفغانستان ثم  التدخلات "الإنسانية" المستمرة في ليبيا وسوريا. وفي الحرب الأخيرة في اليمن، تتقدم القوات الغربية دون تقديم أي مبررات على الإطلاق. وهكذا عن طريق مساعدة حلفائهم الرجعيين في المنطقة - وعلى رأسهم النظام الملكي السعودية ونظام السيسي في مصر – يقومون مرة أخرى بتحويل دولة مُعدمة إلى ركام ورماد.

إن تدمير اليمن يعيد إلى الأذهان التدمير الهمجي الذي أحدثته الحرب الإسرائيلية المدعومة من قبل أمريكا في غزة الصيف الماضي حيث دُمرت البنية التحتية لما يُعرف بأكبر سجن مفتوح في العالم بالكامل وتُرِك حطاماً، كما قُتل ما يزيد عن 2200 فلسطيني من بينهم أكثر من 500 طفل.

وليس من الضروري محاولة فضح التعبيرات "الإنسانية" للإمبرياليين. فالحقائق الموضوعية والنتائج الكارثية للحرب قد قامت عملياً بذلك. ولكن يظل السؤال هو: لماذا سادت حرب متواصلة الشرق الأوسط لما يقارب 25 سنة؟ الإجابة واضحة، فالولايات المتحدة والقوى الإستعمارية الأوروبية الكبرى تريد أن تستغل وتسيطر على هذه المنطقة الهامة لمواردها الغنية وأهميتها الإستراتيجية أياً كانت التكلفة. إن همها الرئيسي هو البترول.

ومن ضمن أهدافها التي لا تقل من حيث الأهمية إخضاع الطبقة العاملة. وقد اتضح ذلك جلياً مع ثورات تونس ومصر. فقد كثفت القوى الاستعمارية من تدخلها بعد أن رفعت الطبقة العاملة رأسها وأسقطت خادمين قاسيين للإمبريالية، بن علي ومبارك، مع بدايات عام 2011. وقد أدهش تدخل الطبقة العاملة القوى الإمبريالية كما أخافها. ولقد وجدوا في الحرب في ليبيا – التي تقع جغرافياً بين تونس ومصر – فرصة لإقامة نظام عميل موالٍ للغرب وتقسيم الطبقة العاملة على أسس عرقية وطائفية، كما سعوا إلى نفس الهدف في سوريا.

وقد حصلوا على دعم فئات واسعة من الأحزاب البرجوازية الصغيرة والأكاديميين الذين حاولوا أن يقدموا غطاءً لإعادة استعمار شمال أفريقيا والشرق الأوسط من خلال حجج يسارية زائفة. ففي ليبيا جادلوا لصالح القصف الذي نفذه الناتو تحت غطاء بعثة "إنسانية".  وفي سوريا قدموا بطش الميليشيات الإسلامية على أنه "كفاح ثوري" من أجل الديموقراطية.

في كتابه "الإمبريالية"، كتب لينين منذ حوالي 100 سنة "إن الحماسة العامة لآفاق الإمبريالية، والدفاع المستميت عنها وطلائها بالألوان البراقة هو من علامات الساعة." وليس هناك اليوم أفضل من هذا القول لتلخيص ردة فعل الأوساط الليبرالية واليسارية الزائفة للثورة المصرية.

لقد تفاعلت الطبقة العاملة الدولية بحماس كبير مع كفاح الجماهير في مصر بما في ذلك في إسرائيل حيث أدى الغضب الشعبي على الفقر وعدم المساواة وتخفيض المصروفات على التعليم والإسكان والرعاية الصحية إلى احتجاجات جماهيرية لمئات الآلاف في عام 2011.

وقد صدمت التطورات الثورية في مصر الطبقة المتوسطة الموسرة ومنظماتها السياسية صدمة عميقة. فبالرغم من أنها في بادئ الأمر دعمت الاحتجاجات ضد مبارك إلا أنها تراجعت في خوف حين أدركت أن كفاح الطبقة العاملة شكل تهديداً للدولة الرأسمالية وهيمنة الإمبريالية.

ففي كل مرحلة من مراحل الثورة حاولت هذه الطبقة أن تُخضع الطبقة العامة لفصيل أو آخر من البرجوازية المصرية حتى بلغ ذلك ذروته في حملتها الثورية المضادة لصالح الانقلاب العسكري في شهر يونيو من عام 2013، والتي رُوِّج لها بخبث على أنها "ثورة ثانية". يا له من تزوير!

نظام السيسي ليس تجسيداً لثورة ، ولكنه على العكس من ذلك يمثل ثورة مضادة دامية. فقد قتل 3000 شخصاً على الأقل وسجن عشرات الآلاف وأصدر أحكاماً بالإعدام على أكثر من 1000 سجين سياسي.

إن التجربة الدرامية للثورة المصرية تظهر مدى أهمية وجود قيادة ثورية. فقد توفرت في مصر كل الظروف اللازمة لقيام ثورة باستثناء شرط واحد وهو وجود حزب ثوري يكافح من أجل منظور اشتراكي عالمي. لقد استطاعت الانتفاضات الجماهيرية أن تسقط الطغاة وأن تزعزع استقرار النخبة السياسية. ولكنها لم تستطع أن تطيح بالعسكر، أو تنهي الاستغلال الرأسمالي  والظلم ولا أن تهزم الإمبريالية.

على العمال في مصر وفي الشرق الأوسط بالكامل أن يستخلصوا الدروس السياسة. يلزم بناء أقسام للجنة الدولية للأممية الرابعة لتوحيد جميع العمال – اليهود والعرب على حد سواء – في المنطقة وعلى المستوى الدولي في صراع طبقي موحد ضد الإمبريالية والصهيونية والبورجوازية العربية. وعلى أساس هذا المنظور ستتمكن الجماهير في الشرق الأوسط من إعادة إشعال وقود الثورة لإسقاط الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة وقيادة الصراع ضد الحرب ونحو الاشتراكية بنجاح.