تصاعد مخاطر قيام الولايات المتحدة بمهاجمة سوريا وسط سقوط معقل " المتمردين"

By بيل فان أوكن
١٩ آذار مارس ٢٠١٨

ثمة تقارير عن قيام حكومة الرئيس السوري بشار الأسد باتخاذ إجراءات تحسباً ً لقيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربة عسكرية ضد دمشق العاصمة.

لقد صعدت واشنطن من تهديداتها بتوجيه ضربة عسكرية ضد الجيش السوري المدعوم بسلاح الجو الروسي بعد أن حقق تقدماً حاسماً في حصاره لضاحية الغوطة الشرقية وهي واحدة من آخر معاقل "المتمردين" الإسلاميين المدعومين من الغرب.

وخلال الأيام القليلة الماضية غادر عشرات الآلاف من المدنيين ذلك الجيب الواقع تحت سيطرة وريث جبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة وحلفائها . وتمكنت قوات الحكومة السورية من استعادة 80% من المنطقة وقسمت المعاقل المتبقية إلى ثلاثة جيوب منعزلة وكلها محاصرة .

إن سقوط الغوطة الشرقية الوشيك حدث بالتوازي مع هزيمة جيب عفرين في شمال غرب سوريا على يد الجيش التركي والقوات التي تقاتل بالنيابة عنه أي ما يسمى الجيش السوري الحر المكون إلى حد كبير من مقاتلي داعش وجبهة النصرة. وأدى الانتصار التركي إلى تشريد ما يقارب من ربع مليون شخص فروا للنجاة بحياتهم.

إن سقوط الغوطة الشرقية في يد حكومة الأسد يمثل نقطة علام في مسار فشل الحرب الهادفة لتغيير النظام التي دعمها الغرب ورتبت لها وكالة الاستخبارات المركزية وبدأتها الولايات المتحدة وحلفاءها قبل سبع سنوات مستخدمة الميليشيات المرتبطة بالقاعدة وقوات في الميدان تقاتل بالوكالة عنها . لقد تم استخدام المناطق التي سيطر عليها المتمردون لقصف العاصمة السورية بقذائف الهاون والصواريخ و لتفخيخ السيارات وما إلى ذلك من أعمال إرهابية.

وتخشى واشنطن من أن تؤدي استعادة النظام للمنطقة إلى تراجع فعالية محاولتها لإنقاذ عمليتها الهادفة إلى تغيير النظام من خلال الضغط بهدف التخلص من الأسد كجزء من توافق دولي على حل سياسي للصراع السوري.

وهذا هو الدافع الكامن خلف الحملة المتجددة حول مزاعم غير مؤكدة بأنقيام القوات الحكومة السورية باستخدام قنابل غاز الكلورين خلال هجماتها في الغوطة الشرقية.

وفي حين نفت دمشق حدوث مثل هذه الهجمات وهي التي قامت بتدمير كامل مخزونها من السلاح الكيميائي تحت إشراف دولي وجهت شخصيات بارزة في إدارة ترامب تهديدات مباشرة برد عسكري أمريكي لا يقتصر على سوريا وحدها بل يشمل حليفيها العسكريين الرئيسيين روسيا وإيران.

وضمن هذا السياق وخلال كلمة في متحف الهولوكوست في العاصمة واشنطن يوم الخميس ا 15 مارس ركز مستشارالرئيسترامبلشؤونالأمنالقوميالجنرالهـ. ر. ماكماستر قائلاً:

"على كل الأمم المتحضرة محاسبة إيران وروسيا بسبب دورهما في تسهيل الفظائع وعن المعاناة الإنسانية المستمرة في سوريا"، ثم أضاف ماكماستر " يجب ألا تمر جرائم الأسد بدونعقاب أو جرائم داعميه".

وبدورها وجهت سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة ، نكي هالي، في الأسبوع الماضي تحذيراً للنظام السوري المارق وقالت " أن واشنطن مستعدة للتحرك عند اقتضاء الأمر" وأشارت إلى ضربات صواريخ كروز التي شنتها الولايات المتحدة العام الماضي ضد قاعدة جوية سورية وأضافت " ليس هذا هو المسار الذي نفضله لكنه مسار برهنا على عزمنا اتباعه ونحن جاهزون لتكراره".

إن طابع النفاق الذي يسم الاتهامات الأمريكية والادعاءات الإنسانية يفتقر للحياء نظراً للخسائر الهائلة بين صفوف المدنيين نتيجة للحصار العسكري الأمريكي الذي فرض على الرقة في سوريا وعلى الموصل في العراق حيث أدت الغارات الجوية عديمة الرحمة والقصف المدفعي إلى سقوط آلاف الضحايا من المدنيين وحول المدينتين إلى ركام.

و في حين أدانت واشنطن النظام السوري وحلفاءه و هددتهم لكنها صمتت عن فظائع تركيا في عفرين – وتركيا مثل الولايات المتحدة أرسلت قواتها إلى سوريا بطريقة غير مشروعة ودون الحصول على موافقة حكومة البلاد ودون أي تفويض دولي- واكتفت وزارة الخارجية بالتعبير عن " قلقها البالغ".

ونجد تعبيراً عن الشعور السائد بين فروع جيش الولايات المتحدة وجهاز الاستخبارات فيما يتعلق بتصعيد التدخل ضد نظام الأسد – وضد حليفته روسيا- في عمود نشر يوم الأثنين19 مارس تحت عنوان رئيسي في صحيفة واشنطن بوست : " هل سيحاول ترامب ردع الأسد عن استخدام السلاح الكيميائي؟"

كتب العمود جوش روجين وهو كاتب مقالات "الرأي العام العالمي" للصحيفةوحذر فيه من أن "مصداقية الولايات المتحدة هي على المحك" و" أنه إذا لم يحدث شيء قبل سقوط الغوطة الشرقية فعندها يجب محاسبة ماك ماستر وهالي على خدعهم لأن هذا سيتسبب بكارثة فيما يتعلق بعوامل التوازن في المجابهات الديبلوماسية القادمة مع الأسد وروسيا وإيران في مناطق أخرى من سوريا".

لمyri تعد عناصر التوازن مقتصرة على الجانب الديبلوماسي كما صار واضحاً بعد الغارة التي شنتها الولايات المتحدة على قوات موالية للنظام وتسببت في مصرع عدد من المتعاقدين العسكريين الروس قرب منطقة حقول نفط وغاز استراتيجية في محافظة دير الزور. كان الإجراء العسكري الأمريكي بمثابة تعزيز لهدف واشنطن في رسم حدود منطقة خاضعة لسيطرة الولايات المتحدة شرقي نهر الفرات على امتداد حدود سوريا مع كل من تركيا والعراق وهي منطقة تغطي قرابة ثلث مساحة سوريا ستكون تحت سيطرة آلاف من جنود الولايات المتحدة إلى جانب ما يسمى قوات سوريا الديمقراطية المكونة بشكل أساسي من ميليشيات وحدات حماية الشعب الكرديالسوري.

تعاملت موسكو مع التهديدات الاخيرةبأكبر قدر من الجدية حيث حذر رئيس هيئة أركان الجيش الروسي الجنرال غيراسيموف من أن واشنطن والميليشيات الإسلامية التابعة لها تحضر لأخبار ملفقة حول هجمات بالأسلحة الكيميائية كحجة تبرر قيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربة عسكرية وحذر من أن أي تهديد لحياة أفراد القوات الروسية في سوريا سيتم الرد عليه بأشد الإجراءات التي ستستهدف كل منالصواريخ والمنصات التي تطلقها.

ومن جهتها نشرت صحيفة الشرق الأوسط التي تصدر بالعربية في لندن وتتبع النظام السعودي نبأ عن أقوال نسبت إلى ديبلوماسيين غربيين حول قيام حكومة الأسد باتخاذ إجراءات لمواجهة هجوم وشيك ستشنه الولايات المتحدة وادعت أنه قد تم نشر عسكريين روس في مواقع حساسة في دمشق بهدف منع شن غارات جوية وأن الأمم المتحدة نقلت موظفيها من المناطق التي يخشى من أن يتم استهدافها .

وفي وسط مخاطر اندلاع مواجهة في سوريا بين القوتين النوويتين الرئيسيتين في العالم جاء استيلاءالجيش التركي وحلفاءه من الميليشيات السورية الإسلامية على عفرين ليعزز من احتمال وقوع مجابهة بين بلدين عضوين في حلف الناتو هما الولايات المتحدة وتركيا.

كما أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تفاخر يوم الأثنين 19 مارس بسقوط عفرين في يد الجيش التركي في اليوم الفائت وأعلن أن المقاتلين الأكراد فروا "وذيولهم بين أقدامهم."

وكان معظم سكان المدينة من المدنيين قد غادروها خوفاً من فظائع الجيش التركي وحلفائه من الميليشيات المرتبطة بالقاعدة. وقد قامت تلك القوات بعملية نهب منهجية للمتاجر والبيوت بعد الاستيلاء على المدينة كما حطموا تمثالاً كان قائماً في مركز المدينة لكافه الحداد الذي يعتبر رمزاً للنضال الكردي ضد الاضطهاد.

إن الأحداث التي تضمنت هروب قرابة ربع مليون شخص إلى الريف دون طعام أو ملاجئ بدت نذيراً لعملية تطهير عرقي منهجي ستؤدي إلى طرد الأكراد من بيوتهم بشكل دائم واستبدالهم بلاجئين سوريين من العرب السنة المقيمين في تركيا.

إن الغزو العسكري التركي المسمى " عملية غصن الزيتون" الذي بدأ قبل شهرين يهدف إلى منع قيام منطقة حكم ذاتي كردية في سورية عند الحدود الجنوبية لتركيا كرد على إعلان واشنطن عن عزمها الاستمرار في احتلال أرض سوريا لمهلة غير محددة وتنظيم قوات وحدات حماية الشعب الكرديوتحويلها إلى حرس حدود يبلغ عديده ثلاثين ألف عنصر.

إن الحكومة التركية تعتبر وحدات حماية الشعب الكردي امتداداً لحزب العمال الكردستاني الذي خاض عمليات تمرد على امتداد أكثر من ثلاثة عقود. كما أن كل من واشنطن وأنقرة أدرجت بشكل رسمي حزب العمال الكردستاني ضمن قائمة "المنظمات الإرهابية."

وخلال خطاب موجه إلى القضاة و ممثلي النيابة العامة في أنقرة يوم الأحد 18 مارسأعلن أردوغان أن الاستيلاء على عفرين كان "مرحلة مهمة" في العملية العسكرية التركية في سوريا وأضاف"سنتابع هذه العملية حتى نقضي بشكل نهائي على الرواق الذي يمر بمدينة منبج وعين العرب وتل أبيض ورأس العين والقامشلي".

ومنبج هي مدينة سورية في محافظة حلب غرب نهر الفرات وهي خاضعة لقوات كل من وحدات حماية الشعب الكردي والقوات الخاصة التابعة للولايات المتحدة. أما البلدات الأخرى التي أشار إليها أردوغان فتقع شرق الفرات في منطقة ينوي البنتاغون تحويلها إلى منطقة تحت سيطرة الولايات المتحدة واستخدام الميليشيات الكردية السورية بوصفها قوات أمريكية بالوكالة وبالتالي فإن أي تقدم في تلك المناطق يطرح احتمال مواجهة مباشرة بين القوات الأمريكية والتركية.