تصاعد دقات طبول الحرب ضد سوريا

١١ أيلول سبتمبر ٢٠١٥

صعّد السياسيون و وسائل الاعلام في كل من الولايات المتحدة الامريكية و اوروبا الغربية، النقد بشكل يدعو الى السخرية، لمحنة اللاجئين الفارين من مناطق العنف في سوريا ، كذريعة لشن حرب من اجل تغيير النظام في سوريا. 

فالرئيس الفرنسي هولاند و رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كامرون، كلاهما يعملون بشكل محموم ليس لابعاد كل اللاجئين فقط بل حتى ابعاد القليل منهم الى خارج بلادهم (فرنسا و بريطانيا)، كما اعلنوا ان تكثيف حملات القصف المستندة على منطق واضح و ذات قوة تفجيرية فعالة تسقط على رؤوس السوريين، ربما ستقنعهم بالبقاء في بيوتهم.

و في الوقت نفسه ، بدأت واشنطن بمواجهات استفزازية لروسيا بسبب مساعداتها العسكرية الدائمة و المتواصلة لنظام بشار الاسد مع تحذيرات هستيرية متزايدة للتعزيزات العسكرية الروسية في سوريا.

ان التطورات الاخيرة تؤكد فقط على الخصائص المتغيرة لذرائع قوى الغرب الامبريالي للتدخل الدموي في سوريا. حيث كانت الذريعة في البداية للدفاع عن "الحقوق الانسانية" ضد نظام الاسد، ثم محاربة الدولة الاسلامية في العراق و سوريا (داعش) ، و المبرر الاخير الان قضية اللاجئين و "التدخل" العسكري الروسي.

ان القوى الحقيقة التي تقود للتدخل الغربي هي المصالح الجيواستراتيجية المكشوفة اي في بسط و ترسيخ الهيمنة على مخزون العالم لمصادر الطاقة و طرق خطوط الانابيب التي تربطها بالسوق العالمي. و بسبب استفحال الازمة الاقتصادية فان الطبقة الحاكمة - و في المقام الاول الارستقراطية المالية الامريكية – تخطط لتصعيد العنف العسكري.

و تجد لهذه الميول تعبيرات مباشرة في الاعلام حيث تصر على قرع طبول الحرب على سوريا . و تجد الدعاية للحرب اكثر وضوحا و اكثر نفاقا على صفحات المجلة التي يفترض انها ليبرالية "المجلة التي تخطت الرقم القياسي في المبيع" مجلة الـ نيويورك تايمز .

كتب روجر كوهين مسؤول صفحة الشؤون الخارجية في مجلة التايمز مقالا يوم الخميس تحت عنوان "سوريا كابوس اوباما" .

و يفترض كوهين في مقالته هذه ان محنة السوريين – 200,000 قتيل و اكثر من مليون اضطروا للهجرة اما في المنافى خارج سوريا او تشردوا في الداخل و مجتمع بأسره دمرته الحرب الاهلية – كل هذا "نتيجة تقاعس الغرب عن العمل".

و اضاف : "و من المحتمل ان يكون للتدخل الامريكي في سوريا نتائج رهيبة كما حصل بالحرب على العراق" و كتب "و قد يكون لعدم التدخل الامريكي اثار مدمرة ايضا كما تبين في سوريا ، وقد تكون نتائج عدم العمل ليست باقل من قرار القيام بالعمل، و الرأي هنا كرقاص الساعة يتأرجح الى ما لا نهاية بين التدخل العسكري و تخفيض النفقات لان الولايات المتحدة متمسكة بفكرة انه باستطاعتنا ان نجعل العالم مكانا افضل".

ما هذا الكذب الرجعي و التفاهات ! كوهين طبعا لم يشارك قرائه ، فهو كان احد كبار الاعلاميين الداعين المحرضين للحرب الاجرامية على العراق ، كما ان "نتائجها الكارثية" لم تزعجه كثيرا. ففي سنة 2009 و بعد ان تبين ان الحرب على العراق اسفرت عن مئات الالاف من الضحايا و دمرت كامل المجتمع، كتب كوهين : "انا لا زلت اعتقد بان حرية العراق تستحق هذا الثمن الرهيب".

بعد ان نجحت حرب الولايات المتحدة ـ الناتو لتغير النظام و قتل الزعيم الليبي معمر القذافي ، كتب كوهين مقالة عن النصر تحت عنوان " احراز الهدف الاول للتدخل " ، و بعد اقل من اربع سنوات اصبح البلد مسرحا للصراعات الدموية بين المليشيات المتنافسة و مركزا لتدفق موجات من اللاجئين الذين مات غرقا منهم الالاف و هم يحاولون عبور البحر الابيض المتوسط .

و ايضا منذ الحرب الامريكية ـ الناتو على البوسنة سنة 1995 و كوهن يدعم التدخل العسكري الامريكي و يساند عمليات زعزعة الاستقرار من ايران الى اوكرانيا يوصفه صحفيا موثوقا بخدمة الجيش و دائرة المخابرات الامريكية.

و الان اذ يعتقد ان سياسة اوباما السورية خطأ، فهو يعمل لتعزيز موقف النخبة الحاكمة الذين يرغبون بالبدء بحرب على سوريا شاملة واسعة النطاق.

اتهم كوهين البيت الابيض انه تراجع عن نهديده بقصف قوات الحكومة السورية سنة 2013 المستند على الادعاء الملفق ان الجيش السوري استعمل اسلحة كيميائية ضد المدنيين ، و لكن الدلائل التي ظهرت فيما بعد تشير ان "الثوار" المدعومين من الغرب هم من نفذ الهجوم الكيميائي في محاولة لدفع امريكا للتدخل العسكري المباشر.

هو ينتقد ان اوباما تنقصه "الارادة" و "الايمان بقوة امريكا"، و يصر على ان الطيران السوري يمكن تحييده ، و "انه لو تم تسليح الثوار مبكرا و على نطاق واسع لتغير مجرى الحرب .

كل هذا التحريف للحقيقة هو ابعد من الاعتراف بان قرار اوباما بعدم القصف على سوريا عام 2013 كان بسبب المعارضة الشعبية القوية للدخول في حرب اخرى. فالكوارث في العراق و افغانستان قد حررت الملايين من مفهوم كوهين "التمسك بفكرة ... ان التخل الامريكي العسكري باستطاعته ان يجعل العالم مكانا افضل. و منذ ذلك الحين ، و البيت الابيض و الجيش يناوروا لإحياء الخطط الحربية و العمل لإيجاد ذرائع جديدة للتدخل.

لقد تم تسليح "ما يسمى" المتمردين"، على نطاق واسع، ما قيمته مليارات الدولارات حيث تسربت هذه الاسلحة الى المليشيات الاسلامية عبر حلفاء واشنطن الاساسيين في المنطقة – العربية السعودية، تركيا و قطر – و ذلك تحت اشراف و توجيه المخابرات المركزية الامريكية . و اذا فشلت هذه الاسلحة في تحقيق سقوط بشار الاسد فستكون الاسلحة بايدي الجماهير السورية المعادية للتنظيم الاسلامي قاطع الرقاب المدعوم من قوى اجنبية .

ان الشعب السوري فقط هو الضحية، و ليس بسبب التردد و "التقاعس الغربي" عن التدخل بل كان نتيجة لسلسلة الاعمال الاجرامية التي تمددت من تدمير العراق و ليبيا لاثارة النزعة المذهبية في حرب اهلية في سوريا نفسها .

يخلص كوهين بالقول ان اوباما "يفضل الاستخدام الطفيف للقوة" على سبيل المثال غارات و قصف الطائرات دون طيار و الاغتيالات، "و هو (اوباما) لا يفضل استخدام القوة العسكرية الامريكية" و كوهين بهذا الاستنتاج كأنه يقول لاوباما : "تحرك و ليغزوا الجيش الامريكي الشرق الاوسط بحرب اخرى شاملة واسعة النطاق"

وجدت وجهة نظر كوهين صداً عند زميله الصحافي في جريدة التايمز توماس فريدمان الذي قاد حملة الدعاية للتحريض على الحرب ضد العراق. كتب فريدمان مقالا يوم الاربعاء قال فيه : الطريقة الوحيدة لوقف تدفق المهاجرين اما "بإغلاق البلاد التي يهربون منها" او "بإحتلالها و الاحذية على الارض ، و سحق الاشرار و بناء نظام جديد على اساس المواطنة الحقيقية، هكذا مشروع ضخم قد يستغرق جيلين من الزمن" . و بكلمات اخرى عودة الاستعمار العسكري للشرق الاوسط برمته .

ان منطق تصعيد الحرب على سوريا كان واضحا ايضا و لا لبس فيه في افتتاحية جريدة الواشنطن بوست يوم الاربعاء حيث اشارت الى التعزيزات الروسية المزعومة في سوريا و جاء في الافتتاحية : " اعترف السيد بوتين بحقيقة ان اوباما رفض القبول : بان اي برنامج سياسي لمستقبل سوريا لا معنى له الا اذا كان مدعوما بقوة على الارض .... فاذا رغب السيد اوباما ان تكون الغلبة للرؤية الامريكية و تطغى على الروسية في سوريا، فهي تحتاج لاكثر من مكالمات هاتفية ".

لن يكون الانذار اكثر وضوحا او اكثر رعبا فمن خلف ظهر الشعب الامريكي ، ان بعض النخب القوية من ضمن الطبقة الحاكمة الامريكية و جهاز الدولة و بالتعاون مع اعلاميين مأجورين يهيئون لتدخل عسكري قد ينتج عنه مواجهة عسكرية مباشرة بين امريكا و روسيا, القوتان النووية الرئيسيتان في العالم.

بیل ون اوکن