إطلاق سراح حسني مبارك ودروس الثورة المصرية

٢٥ آذار مارس ٢٠١٧

تم بشكل رسمي ، يوم أمس ،إطلاق سراح الدكتاتور المصري حسني مبارك من السجن. وقام محاميه بإبلاغ الجمهور، بشكل استفزازي أن الرجل البالغ الثامنة والثمانين من العمر غادر المشفى العسكري في حي المعادي في القاهرة وتناول الفطور في منزل العائلة الواقع في شرق العاصمة المصرية ، بصحبة بعض الأصدقاء.

ويعتبر قرار محكمة الاستئناف نهائي، ففي بداية شهر آذار برأت المحكمة العليا مبارك من أية مسؤولية فيما يتعلق بمصرع ثمانمائة متظاهر قتلوا على أيدي قوات الأمن في الأيام الأولى للثورة المصرية. وكان مبارك ، قبل الإطاحة به في الحادي عشر من شهر شباط – فبراير- 2011 إثر مظاهرات جماهيرية استمرت ثمانية عشر يوم، قد حكم البلاد بقبضة حديدية طوال ثلاثين عام بدعم كامل من القوى الإمبريالية.

إن إطلاق سراح مبارك يعتبر تجسيد للثورة المضادة التي تطورت إثر الانقلاب العسكري الدموي في الثالث من تموز – يوليو2013 ضد الرئيس، إسلامي التوجهات، محمد مرسي المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين. وفي أقل من أربعة سنوات قام الحكام العسكريون الجدد في القاهرة، بتشجيع من القوى الغربية ، بإعادة الاعتبار لقائدهم السابق و قمعوا الجماهير المصرية بوسائل اشد وحشية.

قامت الزمرة العسكرية التي يقودها الجنرال عبد الفتاح السيسي ، بسجن أكثر من أربعين ألف معارض للنظام ، وحكمت على أكثر من الف شخص بالإعدام. وبالاستناد إلى منظمة هيومن رايتس ووتش، وقعت ، بعد فترة قصيرة من الانقلاب، ً- اشنع حادثة قتل جماعي في تاريخ مصر المعاصرً- حيث قام الجيش والشرطة باقتحام معسكري اعتصام أقامهما مناهضو النظام وقتلوا أكثر من ألف شخص بينهم نساء وأطفال.

كيف صار من الممكن بعد أقل من ستة سنين على الثورة المصرية اختفاء كل اثر لها، وصار من الممكن ، ان يظهر مبارك ، الوجه القبيح للنظام القديم ، ليقابل الجمهور وهو حر؟ من الذي يتحمل المسؤولية السياسية عن هذا ، وما هي الدروس السياسية التي يمكن الاستفادة منها في الصراعات الطبقية القادمة؟

يمكن العثور على الرد على هذه الأسئلة الهامة التي تواجه الطبقة العاملة في مصر وعلى مستوى العالم في دراسة الثورة الروسية . ففي محاضرته التي حملت عنوان( لماذا يجب دراسة الثورة الروسية) قام دافيد نورث، رئيس هيئة التحرير الدولية لموقع الاشتراكية العالمي ، وشرح الشروط المسبقة المطلوبة لانتصار الطبقة العاملة:

إن تحرك الطبقة العاملة الروسية ، المدعومة بانتفاضة الفلاحين الثورية ، وصل إلى ابعاد هائلة عام 1917 .لكن لا يمكن لأي قراءة واقعية لأحداث ذاك العام أن تسمح باستنتاج أن الطبقة العاملة كان يمكن أن تصل إلى السلطة دون قيادة الحزب البلشفي. ولاحقاً قام تروتسكي بتحديد دروس تلك التجربة وشدد على " أن مسؤولية قيادة ] الطبقة العاملة [ في حقبة ثورية تكون هائلة. وما يزال هذا الاستنتاج صالحاً في الظرف التاريخي الحالي بمقدار ما كان عليه عام 1917”.

كانت الثورة المصرية، دون شك ، انتفاضة عملاقة، وكانت الطبقة العاملة قوتها المحركة. ففي الخامس والعشرين من شهر كانون الثاني – يناير- 2011 تدفق آلاف الأشخاص إلى شوارع القاهرة وغيرها من المدن الصناعية الكبرى. وفي الثامن والعشرين من يناير " في جمعة الغضب" قامت جموع المتظاهرين التي نما عددها بشكل مستمر بقهر قوات الأمن التابعة لمبارك في قتال شوارع . وفي الأيام التي تلت ذلك خرج ملايين المتظاهرين في سائر أنحاء مصر . وفي السابع والثامن من شهر شباط –فبراير- حدثت موجة من الإضرابات ومن عمليات احتلال المعامل وانتشرت في مختلف أرجاء البلاد ولعبت دوراً حاسماً في إسقاط مبارك

واطبت الطبقة العاملة على التطور بوصفها قوة ثورية حاسمة في أعقاب الحادي عشر من شباط ، وشهدت الأيام التي اعقبت الإطاحة بمبارك ما بين أربعين إلى ستين إضراب كل يوم . ونظم في شهر شباط إضرابات تجاوز عددها مجموع الإضرابات التي شهدها عام 2010 بأسره. واستمر تصاعد الإضرابات والاحتجاجات الاجتماعية خلال عامي 2012 و 2013 لكن ، على خلاف روسيا ، افتقدت مصر لقيادة سياسية تحمل برنامج ثوري.

قام موقع الاشتراكية العالمي بتحذير العمال ، منذ انطلاق الثورة،من كل الأوهام المتعلقة بالطابع الديمقراطي للبورجوازية. وضمن هذا السياق كتب دافيد نورث في مطلع شهر شباط 2011 :

" كما هو الحال دوماً في مرحلة انطلاق الاضطراب الثوري، تكون الشعارات المهيمنة ، بشكل عام ، ذات طابع ديمقراطي. إن النخبة الحاكمة الخائفة من اقتراب الهاوية ، تسعى يائسة إلى المحافظة على أكبر قدر ممكن من النظام القديم، ولهذا تتدفق وعود الإصلاح بسلاسة من شفاه ممثليها.

ومع ذلك فإن شكل الوحدة الديمقراطية المقترح (.....) لن يقدم أي شيء له قيمة إلى الطبقة العاملة، ولا إلى الفقراء الريفيين ، و لا إلى شرائح واسعة من الشباب الذين نزلوا إلى الشوارع. إن الاحتياجات الحيوية لأوسع الجماهير المصرية لا يمكن أن تتحقق ،بدون قلب علاقات الملكية القائمة على المدى البعيد، ونقل السلطة السياسية إلى الطبقة العاملة “.

إن المنظور الاستراتيجي الذي قاد الطبقة العاملة الروسية للاستيلاء على السلطة في أكتوبر 1917 كان نظرية الثورة الدائمةالتي طورها ليون تروتسكي والتي نصت على أنه في البلدان التي تعيش في ظل تطور رأسمالي متأخر، لا يمكن إنجاز الثورة الديمقراطية من دون قيام الطبقة العاملة بالاستيلاء على السلطة نتيجة لثورة اشتراكية. كما نص أيضاً على أن انتصار الثورة الاشتراكية في بلد واحد غير ممكن إلا من خلال استراتيجية أممية بهدف توحيد العمال في كل الكوكب.

إن الثورة المصرية ، أكدت صحة منظور الثورة المستمرة لكن بشكل سلبي حيث برهنت كل شرائح البورجوازية على حقيقتها بوصفها قوى الثورة المعاكسة في كل مراحل الثورة من خلال التعاون مع الإمبريالية ومن خلال الدفاع عن المصالح الطبقية الأساسية بمقدار ما قام به الجيش. وإن هذا ينطبق على جماعة الإخوان المسلمين التي تم الحظر بها بمقدار ما ينطبق على الأحزاب البورجوازية " الليبرالية" مثل الجمعية الوطنية للتغيير بزعامة محمد البرادعي و التيار الشعبي الناصري بزعامة حمدين الصباحي .

لكن الخداع الأكبر تم من قبل جماعات البورجوازية الصغيرة المنضوية في إطار اليسار الزائف مثل الحزب الاشتراكي الثوري، المرتبط على المستوى الدولي بالمنظمة الاشتراكية الدولية في الولايات المتحدة ، وبحزب العمال الاشتراكي في بريطانيا ، وبفروع حزب اليسار في ألمانيا ، حيث عملت هذه المجموعات ، في كل مراحل الثورة ، على إخضاع الطبقة العاملة لهذه الشريحة او الأخرى من شرائح البورجوازية .

و قامت فور الإطاحة بمبارك بتعزيز الأوهام في جنرالاته وادعت أن العسكر تحت قيادة محمد طنطاوي سينفذون إصلاحات اجتماعية وديمقراطية. ومع تصاعد المعارضة الجماهيرية ضد العسكر قاموا بدعم جماعة الإخوان المسلمين ، ودعا الحزب الاشتراكي الثوري جماعة الإخوان المسلمين لتكون الجناح اليميني في الثورة ، كما طالب بالتصويت لمرسي في الانتخابات الرئاسية . وعندما فاز مرسي، احتفل بالأمر بوصفه " انتصار للثورة" و بأنه " نجاح ضد الثورة المضادة”.

وعندما اندلعت الاحتجاجات الجماهيرية ضد مرسي عام 2013، اصطف الحزب الاشتراكي الثوري خلف العسكر. ووصف تحالف التمرد ، الممول من قبل أجهزة الاستخبارات العسكرية بأنه " الطريق لإنجاز الثورة". وبعد الانقلاب العسكري الذي مثل قاعدة نظام السيسي الإرهابي المضاد للثورة ، قام الحزب ، في البداية بوصفه بالثورة الثانية.

والآن يخشى الحزب الاشتراكي الثوري أن يؤدي القمع الذي تمارسه الزمرة العسكرية واشتداد حدة الكارثة الاجتماعية إلى انتفاضة عمالية ثورية جديدة . وفي تصريح جديد أعلن الحزب الاشتراكي الثوري" أننا في حاجة إلى إعادة بناء معارضة سياسية واجتماعية ضد النظام وضد سياساته من خلال المنظمات السياسية ، ونقابات العمل ، ومنظمات الشباب والطلبة ومن خلال جبهة سياسية قادرة على توحيد قوى ثورة الخامس والعشرين من يناير.

وبعبارات أخرى ما زالوا مصرين على سياساتهم المدمرة التي تفرض على الطبقة العاملة " الاتحاد" مع احزاب ومنظمات البورجوازية.

لكن ظل القضية المفتاحية في الثورة المصرية مرتبطة ببناء فرع مصري للجنة الدولية للأممية الرابعة و بنشر مفهوم الثورة الدائمة ضمن صفوف الطبقة العاملة المصرية. إن دراسة الثورة الروسية يجب أن يتحول إلى عملية تحضير الطبقة العاملة في مصر وفي سائر أرجاء العالم لخوض صراعات ثورية .

للتسجيل لسلسلة محاضرات للجنة الدولية للأممية الرابعة في الذكرى المئوية للثورة الروسية، قم بزيارة wsws.org/1917

يوهانس شترن