الولايات المتحدة على درب إقامة ديكتاتورية عسكرية

٢٣ تشرين الأول أكتوبر ٢٠١٧

التي ألقاها رئيس فريق العاملين في البيت الابيض جون كيللي، وهو جنرال متقاعد من سلاح البحرية ، خلال مؤتمر صحفي في الاسبوع الماضي كشفت الستار عن سر مفتوح في السياسات الأمريكية .فخلف واجهة الحكم الديمقراطي نجد أن الولايات المتحدة تسير على درب التماثل مع ديكتاتورية عسكرية ، حيث قال الجنرال رداً على الانتقادات التي اطلقها الرئيس دونالد ترامب فيما يتعلق بمصرع أربعة من جنود الولايات المتحدة في النيجر في الرابع من شهر أكتوبر ، أن جنود الولايات المتحدة يمثلون نسبة الواحد بالمائة من السكان الأفضل بين ما أنتجته البلاد، وأعلن بعد ذلك أنه لن يقبل أسئلة إلا من الصحافيين من أقرباء الجنود القتلى أو من أصدقائهم أو معارفهم.

وفي تعبير واضح عن احتقار كيللي للحكومة المدنية هاجم عضوة الكونغرس عن الحزب الديمقراطي  فريدريكا ويلسون التي انتقدت علناً جلافة ترامب خلال اتصاله لتعزية أرملة أحد الجنود الذين قتلوا في حادثة الرابع من أكتوبر. واتهم كيللي، دون وجه حق، ويلسون بالتبجح فيما يتعلق بتأمين تمويل مبنى حكومي في ميامي يحمل اسم عميل في الشرطة الاتحادية سبق له أن لاقى مصرعه، وقال عنها أن البرميل الفارغ يتسبب بأعلى قدر من الضجيج.

وفي اليوم التالي أصدرت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض سارة هكاببي  بيان صحفي مفاده أن أي تساؤل حول تصريحات العسكريين يعتبر تجاوزاً للحدود، وأردفت " أظن أنه من غير المناسب أبداً أن يسعى أحد للدخول في مناظرة مع جنرال في البحرية برتبة أربع نجوم".

سعت بعض الشخصيات العسكرية التي شعرت بالقلق إزاء ازدراء البيت الأبيض للمبدأ الدستوري المتعلق بخضوع الجيش لرقابة مدنية,  إلى الابتعاد عن تصريحات كيلي.  ففي  برنامج "هذا الأسبوع" الذي تبثه محطة أي.بي.سي يوم الأحد و تضمن مقابلة مع جنرال متقاعد برتبة أربعة نجوم  هو دافيد بترايوس، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية صرح خلالها" نحن الذي نرتدي اللباس العسكري ........ندافع بحماس عن حقوق الأمريكيين في التعبير عن أنفسهم حتى لو تضمن ذلك انتقادنا".

لقد تسببت ملاحظات كيللي بمثل هذه التصريحات الدفاعية ليس  لأنها تحدت قرابة 250 عام من الحكم المدني في الولايات المتحدة وحسب بل لأن هناك هيئات في المؤسسة السياسية في الولايات المتحدة ترى أنه من الضروري ، على الأقل في هذا الوقت،التستر على الهيمنة الشديدة  التي يمارسها العسكريون على الحياة السياسية   من خلف الواجهة الرسمية للحكم المدني.

لكن هذه مهمة بالغة الصعوبة، فبعد ظهور بترايوس  بوقت قصير ظهر زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ  تشارلز شومر في برنامج " لقاء مع الصحافة" على شاشة إن بي سي حيث تبادل حوار غير عادي مع معد البرنامج تشاك تود. فحين سئل إن كان قد تم إعلامه بالوضع في النيجر بوصفه زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ كان رده بلامبالاة" ليس حتى الآن ".

وعندما سأله المذيع إن كان شومر يعرف أن الولايات المتحدة نشرت آلف جندي في النيجر، كان رده  أنه لم يعلم بذلك.

تابع المذيع ضغطه عليه وسأله: "كيف يمكنك وصف ذلك  بأي طريقة أخرى سوى  أنها  حربً  لن تنتهي أبدا؟"  رد شومر بطريق ملتوية بقوله" يجب أن نعتاد الأمر".

وهذا يعني، بكلمات أخرى، أن قيادة البلاد المدنية لا تعرف أين تعمل قوات الولايات المتحدة العسكرية و لا تجرؤ على التحقيق في ذلك. ففي واقع الأمر لم يصدر قرار بإعلان الحرب ومن يقودونها لا يخضعون للمحاسبة من قبل الكونغرس أو من قبل الشعب. فإن نشر الجيش مسألة تخص الرئيس و جنرالاته، كما هو الحال في أكثر من اثني عشر بلدا أفريقيا تشارك فيها القوات الأمريكية في عمليات قتالية .كما أن هذا يعني  أن الأعضاء القياديين في حزب المعارضة الرسمي لا يجدون مشكلة في هذا الوضع.

فهل يمكن أن يفاجأ أي كان عندما يقوم كيللي، وهو واحد من ثلاثة جنرالات يحتلون أرفع المناصب في إدارة ترامب بانتقاد عضوة في الكونغرس بسبب تجرؤها على توجيه سؤال إلى القائد الأعلى؟

ما على المرء سوى متابعة المقابلة التي بثتها محطة أي بي سي ضمن برنامج  “هذا الأسبوع" حيث لم يتضمن البرنامج إلا الحد الأدنى من التباينات كما يليق ببرنامج تم إنتاجه في بلد تقوده زمرة عسكرية. ففي وسط المقابلة التي أجرتها مارثا راداتز مع الجنرال بترايوس تم قطع البرنامج بهدف عرض  تسجيل سابق تظهر فيه راداتز وهي على متن حاملة الطائرات (رونالد ريغان) خلال مناورات حربية عند ساحل كوريا الشمالية والمذيعة تصرخ بحماس "إن  بحر اليابان مزدحم بالمراكب الحربية."

كما تضمن المقطع المسجل تصريحات لنقيب ورائد وضابط إشارة وقائد طائرة علىمتن السفينة،  وخلصت  راداتز إلى ضرورة أن يكونوا على استعداد للقتال هذه الليلة طالما أن المنطقة على حافة الحرب، لينتقل البرنامج بعد ذلك للإعلان عن سلسلة قادمة  مكونة من ثماني حلقات أعدتها قناة ناشيونال جيوغرافيك تمجيداً لحرب العراق.

لم يظهر على الشاشة حتى هذه النقطة، أي بعد انقضاء ثلاثة ارباع البرنامج، أي شخص غير عسكري في واحد من البرامج الحوارية السياسية الأولى في “الديمقراطية” الرائدة في  العالم

وقد أثارت تعليقات كيلي بيانات مثيرة للقلق بين بعض قطاعات الصحافة الأمريكية مثل ما أدلت به إيرين برنيت من شبكة سي.ن.ن عندما قالت : " يبدو أن البيت الأبيض يظن أن الولايات المتحدة هي ديكتاتورية عسكرية". أو ما كتبته ماشا غيسين في صحيفة نيو يوركر" لنفكر بهذا السيناريو الذي يشبه كابوس : وقوع انقلاب عسكري. لا حاجة لتتعب خيالك ، كل ما عليك هو متابعة  المؤتمر الصحفي للبيت الأبيض يوم الخميس عندما تكلم كبير موظفي البيت الابيض جون كيللي مدافعاً عن واقعة الاتصال الهاتفي الذي اجراه دونالد ترامب مع أرملة العسكري القتيل وهي ميشيا جونسون. إن ذلك المؤتمر الصحفي يماثل ما قد يمكن أن يكون عليه  انقلاب عسكري في هذا البلد.

والسؤال الذي يطرح نفسه هل تحتاج الولايات المتحدة إلى انقلاب لتنتقل إلى حكم عسكري؟ هل سيكون الوضع مختلف عن الديمقراطية القائمة حالياً؟ سيكون هناك نفس مجموعة من الجنرالات يحتلون واجهة الأخبار، وسنجد نفس المراسلين الصحافيين، المندمجين في اللعبة، يجرون مقابلات مع القادة العسكرين على خطوط الجبهة، كما سنجد نفس أعضاء الكونغرس ( حيث أن معظم الأنظمة الديكتاتورية لا تقوم بحل البرلمان) يصرحون بأنهم لم يتم إخبارهم بعد بقرارات العسكريين عما يجب القيام به.

قد يقول قائل بأن النظام الديكتاتوري يفرض رقابة على الصحافة،  لكن هذا أمر تم إنجازه إلى حد بعيد بعد إعلان محرك البحث العملاق غوغل بفرض رقابة على محتويات الأخبار، وهو يقوم باستبعاد الروابط العائدة للمواقع يسارية التوجه من قائمة نتائج البحث، وهو قام تقريباً باستبعاد كل الأخبار التي ينشرها موقع الاشتراكية العالمية.

إن تنامي سلطة العسكر المستمر في الولايات المتحدة لم يكن نتيجة الصدفة ولا يتعلق بجموح شخصية دونالد ترامب، ففي واقع الأمر نجد أن الرئيس الديمقراطي الذي سبقه في المنصب ،أوباما ،لم يتوجه أبداً، طوال مدة ولايتيه،  إلى الكونغرس لطلب الترخيص باستخدام قوات الولايات المتحدة العسكرية، ودافع عن إصداره اوامر باستخدام طائرات بدون طيارين لتنفيذ عمليات اغتيال ضد مواطنين من الولايات المتحدة مستخدماً سلطته كقائد أعلى.

وفي خضم الضجة السياسية التي رافقت مصرع الجنود في النيجر لم يقم الديمقراطيون بطرح تساؤل عن قانونية نشر آلاف الجنود في أفريقيا، وهو إجراء تم دون  نقاش علني ومن وراء ظهر الشعب ولكنهم سعوا بدلا من ذلك إلى مهاجمة ترامب من مواقع اليمين بسبب عدم احترامه للعسكر بالقدر الكافي.

بعد كل ذلك نجد أن الديمقراطيين والصحف المرتبطة بهم بشكل عام وخصوصاً صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست، اللتان تغدقان الثناء على الجنرال كيللي وعلى الجنرالين المرتبطين به ماك ماستر / مستشار الأمن القومي، وجيمس ماتيس  سكرتير الدفاع بوصفهم "الكبار" المخضرم هو الشخص صاحب الخبرة ضمن فريق في البيت الأبيض، وصولاً إلى توماس فريدمان في صحيفة التايمز الذي دعا الجنرالات "لعكس التدوير الأخلاقي الذي أصاب إدارة ترامب" في شخص الرئيس.

إن  التعزيز المتصاعد لأشكال الحكم الديكتاتوري في الولايات المتحدة هو نتيجة صيرورة متعمقة الجذور ومديدة  . ففي خضم المستوى المرتفع من عدم المساواة الاجتماعية التي تجاوز أسوأ  الحدود، نجد أن الديمقراطية البورجوازية في الولايات المتحدة تتم استبدالها بحكم مباشر بقيادة الأوليغارشية المالية وشركاءها في الجيش.

لقد تسارعت هذه الصيرورة  خلال ربع قرن من الحروب العدوانية التي تلت تفكك الاتحاد السوفياتي وبلغت ذروتها في الحرب التي لن تنتهي أبداً  وفق تعبير تشاك تود من محطة إن بي سي ،وصارت تمثل الواقع الأمريكي الجديد الذي بلغ حالياً مستوى أعلى مع المخاطر المتصاعدة لشن حرب نووية ضد كوريا الشمالية .

إن التحرك نحو إقامة ديكتاتورية عسكرية في الولايات المتحدة مصحوبا بالحملة على الحرب عالمية يسيران بسرعة تحبس الأنفاس.  لم يعد هناك الكثير من الوقت إذ يجب على العمال والشباب حشد الجهود الآن للمقاومة على قاعدة برنامج اشتراكي أممي التوجه يهدف إلى استئصال جذور مسببات الحرب و انعدام المساواة والديكتاتورية، أي ضد النظام الرأسمالي.

أندريه دامون