مقدمة في مناسبة الذكرى الثلاثين لنشر كتاب: "الموروث الذي ندافع عنه. "

بقلم دافيد نورث
٢١ حزيران يونيو ٢٠١٨

في الخامس من شهر آب / أغسطس ، ستقوم دار مهرينغ للكتب بنشر طبعة بمناسبة الذكرى الثلاثين لإصدار كتاب "الموروث الذي ندافع عنه: مساهمة في تاريخ الأممية الرابعة" بقلم دافيد نورث . والكتاب متوفر للطلبات المسبقة في دار مهرينغ للكتب. ونحن ننشر أدناه مقدمة دافيد نورث للطبعة الجديدة.

****

نشر كتاب "الموروث الذي ندافع عنه"قبل ثلاثين سنة في عام 1988 في أعقاب انسحاب حزب العمال الثوري في بريطانيا من اللجنة الدولية للأممية الرابعة. وكما أثبتت اللجنة الدولية بعد ذلك في العديد من الوثائق بأن نكث العهودالذي قام به حزب العمال الثوري كان محصلة تراجعه، على مدى أكثر من عقد من الزمان، عن مبادئ التروتسكية التي سبق له القيام بدور حاسم في الدفاع عنها. [1]

كان حزب العمال الثوري ، الذي أسس عام 1973، وريث منظمة الحركة التروتسكية البريطانية التي أنشأت ، عام 1953، اللجنة الدولية بالتحالف مع حزب العمال الاشتراكي الأمريكي والحزب الشيوعي الفرنسي الأممي. كان جيري هيللي ( 1913-1989) قائد حزب العمال الثوري وقد سبق له توقيع "الخطاب المفتوح التاريخي للحركة التروتسكية العالمية" الذي كتبه جيمس ب.كانون ( 1890-1974) وأدان فيه تحريفات بابلو ومانديل لبرنامج الأممية الرابعة. إن " الخطاب المفتوح " الذي صدر في تشرين الثاني/ نوفمبر 1953 قد ذكر المبادئ التأسيسية للجنة الدولية للأممية الرابعة:

1. إن النزع الأخير الذي يسبق موت النظام الرأسمالي يهدد بتدمير الحضارة من خلال موجات الكساد التي تزداد حدة، ومن خلال الحروب العالمية والتجليات الهمجية مثل الفاشية . كما أن تطوير الأسلحة الذرية اليوم يؤكد خطورة الوضع المفتوح على أسوأ السيناريوهات الممكنة.

2. لا يمكن تفادي الوقوع في الهاوية إلا من خلال استبدال الرأسمالية باقتصاد مخطط اشتراكي على مستوى العالم الأمر الذي يعتبر قمة التقدم اللولبي الذي دشنته الرأسمالية في بداياتها.

3. ولا يمكن إنجاز هذا إلا تحت قيادة الطبقة العاملة في المجتمع لكن الطبقة العاملة في حد ذاتها تواجه أزمة قيادة على الرغم من أن الوضع الدولي للقوى الطبقية لم يكن يوماً مواتياً أبداً كما هو الحال الآن بالنسبة للعمال كي يسلكوا الطريق إلى السلطة.

4. وبهدف تنظيم نفسها للاضطلاع بمهمتها التاريخية على الطبقة العاملة في كل بلد بناء حزب اشتراكي ثوري وفق النموذج الذي طوره لينين، وهذا يعني حزب مقاتل قادر على الجمع الديالكتيكي بين الديمقراطية والمركزية في الوصول إلى قرارات، والمركزية في تطبيقها ، في ظل قيادة خاضعة لرقابة الأعضاء ،والقادرين على المضي قدماً تحت النار بشكل منضبط.

5. الستالينية هي العائق الرئيس في وجه هذا فهي تجذب العمال من خلال استغلال مقام ثورة أكتوبر 1917 في روسيا لتخون ثقتهم لاحقاً ، وتدفعهم إما إلى أحضان الاشتراكية الديمقراطية، أو إلى اللامبالاة ، أو تعيدهم إلى أوهام الرأسمالية. إن الشعب العامل هو الذي يدفع ثمن هذه الخيانات من خلال تعزيز قوى الفاشيين والملكيين ، ومن خلال اندلاع حروب جديدة تشجعها الرأسمالية وتستعد لها. ومنذ نشأتها حددت الأممية الرابعة ضمن مهامها الكبرى الإطاحة الثورية بالستالينية داخل وخارج الاتحاد السوفيتي.

6. واجه العديد من فروع الأممية الرابعة والأحزاب والجماعات المتعاطفة مع برنامجها الحاجة لتكتيكات مرنة ، الأمر الذي فرض ضرورة معرفة كيف يتم النضال ضد الإمبريالية وكل وكلائها من البورجوازية الصغيرة ( مثل التشكيلات القومية، أو بيروقراطية اتحادات العمال) دون الاستسلام للستالينية، بل على العكس ، أي معرفة كيفية النضال ضد الستالينية ( التي هي في التحليل الأخير وكيل بورجوازي صغير للإمبريالية) دون الاستسلام أمام الإمبريالية. [2]

لخص"الخطاب المفتوح" بإيجاز المفهوم الاستراتيجي للتروتسكية التي رفضها بابلو وماندل حيث قام أنصار بابلو بالاستعاضة عن توصيف الحركة التروتسكية للستالينية ضمن إطار الثورة المضادة من خلال نظرية نسبت لبيروقراطية الكرملين ووكلائها القيام بدورتقدمي تاريخي وثوري. إذن بدلاً من العمل للإطاحة بالأنظمة الستالينية من خلال سلسلة من الثورات السياسية، فإن تيار البابلوية تنبأ بصيرورة إصلاح ذاتي بيروقراطي يقوم خلاله التروتسكيون بدور مرشدي القادة الستالينيين، ودفعهم في مسار أكثر جنوحاً نحو اليسار. ووفق آراء كل من بابلو وماندل فإن " الدول العمالية المشوهة" في شرق أوروبا التي يحكمها ستالينيون محليون بالوكالة عن نظام الكرملين ستستمر لعدة قرون.

والمدهش أنه في ضوء كل ما وقع خلال الثلاثين عام المنصرمة فإن هذا الموقف التبريري تجاه الستالينية ما يزال يمثل منظور الحركات البابلوية حتى في أعقاب انهيار الأنظمة البيروقراطية في شرق أوروبا وتفكك الاتحاد السوفيتي بين 1989 و 1991.كما أن دفاع اللجنة الدولية عن الموروث المتعلق ببرنامج الأممية الرابعة - وقبل كل شيء إصرارها على دور الستالينية المضاد للثورة – كان موضع سخرية خصومها البابلويين بوصفه موقف "طائفي سياسي". لكن بعد أكثر بقليل من عام على نشر كتاب "الموروث الذي ندافع عنه" أثبتت الأحداث التي اندلعت في شرق أوروبا وفي الاتحاد السوفيتي نفسه صحة التحليل التاريخي ، والمفاهيم النظرية ، والبرنامج التي دافع عنها الكتاب.

لم يكن استسلام البابلويين أمام الستالينية سوى أحد مظاهر تخليهم عن نظرية تروتسكي حول الثورة الدائمة . لقد رفضوا النضال لنشر الوعي الماركسي بين صفوف الطبقة العاملة كما تخلوا عن ترسيخ استقلال الطبقة العاملة السياسي عن كل الوكلاء البورجوازية الوطنية والبورجوازية الصغيرة الإمبريالية.

فعلى الرغم من الدور المركزي الذي لعبه التروتسكيون البريطانيون في الدفاع عن الأممية الرابعة خلال العقدين الخامس والسادس من القرن العشرين – وبشكل خاص معارضتهم لقطيعة حزب العمال الاشتراكي الأمريكي مع اللجنة الدولية واعادة الاتحاد مع البابلويين عام 1963- فإن انجرافهم باتجاه التحريفية صار أكثر جلاء بشكل مستمر خلال العقد السابع وبشكل خاص بعد تأسيس حزب العمال الثوري في نوفمبر 1973.

في بداية العقد السادس من القرن العشرين أخضع التروتسكيون البريطانيون في رابطة العمل الاشتراكي ( السابقة لحزب العمال الثوري) موقف تمجيدحزب العمال الاشتراكي للخط القومي الراديكالي لفيدل كاسترو إلى نقد شديد رافضين الزعم بأن جيش حرب العصابات ، تحت قيادة الزعيم البورجوازي الصغير الكوبي، أثبت أن الانتقال إلى الاشتراكية لا يتطلب بناء حزب تروتسكي مستند إلى الطبقة العاملة و متجذر فيها.

لكن في منتصف العقد السابع بدأ حزب العمال الثوري بالمبالغة في تقدير البرنامج المناهض للإمبريالية الذي رفعته الحركات الوطنية البورجوازية في الشرق الأوسط- مثل منظمة التحرير الفلسطينية ومثل النظام الوطنيالراديكالي تحت قيادة معمر القذافي في ليبيا- بطريقة تشابه إلى حد كبير سياسات البابلويين المعادية للتروتسكية . ولم يكن ارتداد حزب العمال الثوري باتجاه البابلوية نتيجة لأخطاء شخصية لبعض القادة، ففي ظل ظروف خضوع حركة العمال المنظمة في سائر أرجاء العالم للأحزاب الستالينية والاشتراكية الديمقراطية واتحادات العمال، كانت المنظمات التروتسكية غير محصنة ضد الضغط الاجتماعي والأيديولوجي الناتج عن انتشار الأفكار الراديكالية ضمن فئات واسعة من البورجوازية الصغيرة وبشكل خاص بين الطلاب خلال العقد السادس وبدايات العقد السابع من القرن العشرين.

إن التصدي للتحدي المتمثل في انضمام أفراد من البورجوازية الصغيرة إلى الحركة التروتسكية لا يتطلبفقط التوجه السياسي والعملي الحازم للطبقة العاملة على قاعدة نضال لا يفتر ضد البيروقراطيات الستالينية والاشتراكية الديمقراطية وحسب بل يتطلب أيضاً نقد نظري مستمر لكل أشكال الماركسية الزائفة العديدةالتي روج لها البابلويون وبشكل خاص"مدرسة فرانكفورت" ( التي كان من وجوهها هوركهايمر، وأدورنو، وبنيامين ، وبلوخ ، ورايش وماركيوز) وكذلك " الماركسية الغربية " (مثل غرامشي) والمنظرون المعادون للتروتسكية من أنصار " رأسماليو الدولة" و " الطبقة الجديدة" ( لوفورت، كاستورياديس، ودجيلاس) وبطبيعة الحال كل أشكال القومية الراديكالية التي لا حصر لها (الكاستروية ، والغيفارية وكتابات فانون وخطابات مالكوم إكس) هذا إذا كتفينا بذكر أوسع أشكال الفكر والسياسات الراديكالية القومية البورجوازية الصغيرة شهرة .ويمكننا أن نضيف إلى هذه القائمة الطويلة تأثير الماوية ، وهي اشتقاق رجعي فاسد من الستالينية ، التياعتنقها عدد لا يحصى من مثقفي البورجوازية الصغيرة التي قادت العمال والشباب في كل العالم من هزيمة إلى أخرى.

واجهت السياسات الانتهازية التي انتهجها حزب العمال الثوري معارضة ضمن اللجنة الدولية، فما بين 1982-1984 قامت رابطة العمال ، وهي المنظمة التروتسكية الأمريكية، بصياغة نقد شامل للسياسات البابلوية الجديدة التي انتهجها حزب العمال الثوري. قام قادة حزب العمال الثوري الرئيسيون و هم هيلي، و ميكائيل باندا ( 1930-2014) وكليف سلاوتر بمنع جهود رابطة العمال لتنظيم نقاش حول انتقاداتها ضمن اللجنة الدولية. [3]

وأدت تلك الجهود غير المبدئية إلى أزمة سياسية داخل حزب العمال الثوري في خريف 1985. وأصر سلاوتر وباندا على التهرب منمناقشة القضايا النظرية والسياسية الكامنة وراء انهيار حزب العمالالثوري، وحاولا تحميل اللجنة الدولية مسؤولية المسار الانتهازي الذي انتهجه الفرع البريطاني خلال العقد السابق من السنين.

وفي شهر فبراير 1986 نشر حزب العمال الثوري وثيقة أعلنت القطيعة مع التروتسكية . كتب الوثيقة ميكائيل باندا وكانت تحت عنوان " 27 سبب تبرر وجوب دفن اللجنة الدوليةفوراوبناء الأممية الرابعة". وقد نشر حزب العمال الثوري هذه الوثيقة وسط صخب كبير متوقعاً أن تأخذ مكانها بين كلاسيكيات الماركسية . وفي الحقيقة كانت وثيقة باندا خليط من التحريف ، والكذب الكامل ، وأنصاف الحقائق لم يقتصر هدفها على تشويه سمعة اللجنة الدولية وحسب بل وكذلك تشويه كل تاريخ الأممية الرابعة.إن عنوان الوثيقة في حد ذاته كاف للكشف عن خداع محتواها السياسي فلو كان هناك إمكانية للبرهنة عن صحة جزءفقط من "المبررات السبع وعشرين"فسيكون من المستحيل تبرير استمرار وجود الأممية الرابعة.

فوفق الاستنتاج الذي يبرز حتماً بالاعتماد على حججه قام باندا – بعد أقل من عام على إنجاز وثيقته- بنشر إدانةحقيرةلتروتسكي وإعلان تقديره غير المحدود لستالين.

ذهب باندا بعيداً إلى حد إعلان أن تطبيق الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي غير قبل لان يتم عكسه: "يجب علينا القول بشكل جازم وقطعي أن التاريخ حسم طبيعة الاتحاد السوفيتي وأن اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكي هو مجتمع في طور الانتقال إلى الاشتراكية". [4]

أعقب التحول السياسي لباندا التخلي عن كل قيادة وأعضاء حزب العمال الثوري ،الذين أيدوا وثيقتهعن التروتسكية حيث انضم قسم كبير من الأعضاء إلى الحركة الستالينية، في حين انتقل آخرون إلى معسكر الإمبريالية، وصاروا من المشاركين النشطين في حرب الناتو ضد صربيا. كما أن المجموعة الأكبر التي شجعها كليف سلاوتر رفضت إرث كامل مفهوم للينين وتروتسكي حول الحزب الثوري وتخلت عن النضال في سبيل الاشتراكية وركزت جهودها على تحسين أوضاعها الشخصية بأكبر قدر ممكن.

أدركت اللجنة الدولية ضرورة تقديم رد مفصل فور استلامها وثيقة باندا وتم تكليفي بهذه المهمة. وخلال مدة شهرين بدأ نشر فصول أسبوعية من كتاب "الموروث الذي ندافع عنه"في الصحف التي تصدرها فروع اللجنة الدولية. لم أتوقع أن يتطلب الرد على باندا كتاباً تجاوز 500صفحة . وهكذا وبعد أن درست وثيقة باندا واكتشفت أن باندا حاول استثمار واقع أن تاريخ الأممية الرابعة- وبشكل خاص خلال الأعوام الحرجة منذ اغتيال تروتسكي عام 1940وانشقاق البابلويين عام 1953- لم يخضع للبحث الكافي والملائم وكان إلى حد بعيد مجهول بالنسبة للكوادر الموجودة منالحركة التروتسكية. إن إدانة تراجع باندا لم تكن كافية بل كان من الضروري مراجعة تاريخ الأممية الرابعة وتثقيف كادر اللجنة الدولية على أساس ذلك.

و أنا أعتقد أنه بعد مرور ثلاث عقود من السنين على الطبعة الأولى فإن "الموروث الذي ندافع عنه"صمد في وجه اختبار الزمن.لقد حافظ الكتاب على قيمته بوصفه مقدمة لتاريخ الأممية الرابعة فالكتاب تفحص المسائل المرتبطة بالنظرية الماركسية،والبرنامج والإستراتيجية التي ظلت على قدر عال من الدلالة في المعركة التي نخوضها هذه الأيام لبناء حزب الثورة الاشتراكية العالمي.

إن "الموروث الذي ندافع عنه"هو السرد الوحيد لتاريخ الأممية الرابعة الذي استخدم منهج المادية التاريخية في شرح بروز التيارات السياسية والصراع فيما بينها. رفض الكتاب المقاربة الذاتية ( التي مثلتها كتابات باندا اللاذعة) التي تعود إلى السمات الفردية للقادة، جيدة كانت أم سيئة، كما ابتعد عن الدوافع ، النبيلة أو الخبيثة، حيث سعى "الموروث الذي ندافع عنه"لتحديد الصيرورة الاجتماعية والسياسية- الناتجة عن تناقضات الرأسمالية العالمية والتطور الشامل وعلى المستوى الوطني للصراع الطبقي خلال الحرب العالمية الإمبريالية الثانية وبعدها- التي شكلت أساس الصراعات ضمن الأممية الرابعة.

وهذا التاريخ لم يشدد بشكل مركزي على تصور للنوايا الذاتية لأهم اللاعبين السياسيين- كانون،بابلو، ماندل وهيلي- بل ركز بالأحرى على القوى الموضوعية المحركة للصراع الطبقي التي ، إذا استعرنا كلمات إنجلز ، :" في عقول الجماهير المتحركة وقادتها- من يسمون بالعظماء- تنعكس ( القوى الموضوعية) بوصفها دوافع واعية...". [5]

يعالج الكتاب ، ضمن إطار الشروط المعقدة والمتغيرة بسرعة خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، الصراعات داخل الأممية الرابعة التي كانت بمثابة إشارة إنذار للصراع الذي نشب إثر المؤتمر العالمي الثالث علم 1951 وبلغ ذروته في انشقاق نوفمبر 1953. ركز الكتاب على التيارات التحريفية التي برزت خلال العقد الرابع من القرن العشرين التي عكست الانحراف نحو اليمين في التوجه السياسي لفئات واسعة من أنتليجنسيا البورجوازية الصغيرة الراديكالية.

ويمكن فهم الصراعات التي تطورت في العقد الرابع من القرن العشرين بشكل أفضل بوصفها استمرار لصراعات الأجنحة التي نشبت عام 1939 و 1940 داخل حزب العمال الاشتراكي . إن النضال الذي قاده تروتسكي خلال العام الأخير من حياته ضد"المعارضة البرجوازيةالصغيرة"لجيمس برنهام (1905- 1987) ، وضد ماكس شاختمان ( 1904-1972) وضد مارتن آبرن ( 1898-1949) كان شديد الطابع إلى حد إ دفع لاعتباره مرحلة متميزة مستقلة في تاريخ الأممية الرابعة. لقد بدأ الأمر في شهر أيلول من عام 1939 مع اندلاع الحرب العالمية الثانية واستمر حتى شهر أبريل 1940 ، عندما انشقت الأقلية عن حزب العمال الاشتراكي وشكلت حزب العمال. وبعد شهر من ذلك قام جيمس برنهام ، الذي كان المنظر الرئيسي للأقلية ، بالانسحاب من حزب العمال وأعلن رفضه للماركسية وللاشتراكية.

وتعتبر مساهمة تروتسكي في الخلاف داخل حزب العمال الاشتراكي من بين أعظم كتاباته. فعلى الرغم من واقع أنه كان محبوساً وسط جدران فيلا محاصرة في ضاحية كويواكان ، ومهدداً من قبل قتلة جهاز الغيبو ( الشرطة السرية) لكن رؤيته السياسية كانت ثاقبة حيث رأى " الرجل العجوز" المستقبل بشكل فاق كل معاصريه.

وكان الموضوعالسياسي المركزي الذي هيمن على صراع الأجنحة متعلقاً " بالمسألة الروسية" والطبيعة الطبقية للاتحاد السوفيتي.حيث احتج شاختمان بأن الاتحاد السوفيتي ، بعد معاهدة عدم الاعتداء بين ستالين وهتلر في نهاية شهر أغسطس 1939، وما تلاها من غزو بولندا من قبل الستالينيين والنازيين، كف عن أن يكون دولة عمال ،وادعى أن البيروقراطية السوفيتية تطورت لتصبح طبقة حاكمة على قمة شكل جديد من المجتمع الاستغلالي.

عارض تروتسكي شاختمانحول إعادة تحديد هوية الاتحاد السوفيتي على أساس تحالفه الرجعي مع ألمانيا النازية. كان توقيع اتفاقية عدم الاعتداء بالتأكيد عمل يتصف بخيانة واضحة لكن تروتسكي شدد على أن " الطابع الاجتماعي للاتحاد السوفيتي لا يتحدد من خلال صداقته مع الديمقراطية أو الفاشية" [6]وهو نبه إلى القضية الأساسية ذات المنظور التاريخي الكامن خلف الصراع على تحديد الاتحاد السوفيتيبشكل صحيح:

"لا يمكن فصل مسألة الاتحاد السوفيتي ، بوصفها مسألة فريدة،عن كل الصيرورة التاريخية لعصرنا.إن كانت دولة ستالين تشكيل انتقالي فهي تشويه لدولة عمال في بلد متأخر ومنعزل، أو كانت "بيروقراطية جماعية" ....فإنها تشكيلة اجتماعية جديدة حلت محل الرأسمالية عبر أرجاء العالم ( الستالينية، والفاشية ، والصفقات الجديدة). إن تجارب اختيار المصطلح ( دولة العمال وليس دولة عمالية ، الطبقة وليس طبقة...) لا تكتسي معنى إلا وفق تجلياتها التاريخية . ومن يختار البديل الثاني يقبل ، بشكل صريح أو متكتم، بأن كل القدرات الثورية الكامنة لدى بروليتاريا العالم قد تم استنزافها ، وأن الحركة الاشتراكية أفلست، وأن الرأسمالية القديمة تحول نفسها إلى بيروقراطية جماعية بوجود طبقة مستغلة جديدة.

إن الأهمية الهائلة لمثل هذا الاستنتاج يشرح نفسه بنفسه ، وهو متعلق بمصير بروليتاريا العالم والنوع البشري". [7]

أقر تروتسكي بأن الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية المتقدمة لم تنجحبعد في بناء حزب ثوري على مستوى مهام حقبة غير مسبوقة من أزمة الرأسمالية، لكن مثال البلشفية وثورة أكتوبر برهنا على أن بناء مثل هذا الحزب ممكن. وعلى هذا فإن المسألة التاريخية الكبرى ، وفق ما طرحه تروتسكي "هي وفق التالي":

"هل ستتمكن الضرورة التاريخية الموضوعية على المدى الطويل من شق طريقها إلى وعي طليعة الطبقة العاملة ، وعلى هذا، وضمن صيرورة هذه الحرب والصدمات العميقة التي ستخلفها هل سيكون من الممكن تكوين زعامة ثورية قادرة على قيادة الطبقة العاملة للاستيلاء على السلطة؟

إن الأممية الرابعة ردت بالإيجاب على هذه المسألة ولم يقتصر هذا على نص برنامجها بل من خلال واقع وجودها في حد ذاته. لكن كل مختلف أنواع ممثلي الماركسية الزائفة الذين أصيبوابخيبة أمل ، والخائفين ، ينطلقون من افتراض بأن إفلاس القيادة ليس سوى "انعكاس"لعجز البروليتاريا عن إنجاز مهمتها الثورية . لا يقوم كل مناوئينا بالتعبير عن هذه الفكرة بوضوح لكنهم كلهم – من أقصى اليسار، والوسطيين، والفوضويين دون أن نشير إلى الستالينيين والاشتراكيين الديمقراطيين- يتخلصون من المسؤولية عن الهزيمة من خلال رميهاعلى أكتاف البروليتاريا ، ولم يقم أي منهم بتحديد دقيق للظروف التي ستكون فيها البروليتاريا قادرة على إنجاز الثورة الاشتراكية.

وإذا أقرينا بصحة أن سبب الهزائم متجذر في السمات الاجتماعية للبروليتاريا ذاتها عندها يكون علينا الاعتراف بأن وضع المجتمع الحديث ميؤوس منه. " [8]

قام تروتسكي بتحديد طبيعة اليأس التاريخي والسياسي الذي حرك شاختمان وبرنهام.إن تصنيف تروتسكي لجناح شاختمان وبرنهام بوصفه " بورجوازي صغير" لم يكن مجرد نعت حيث أن الأقلية عبرت عن وجهات نظر فئة واسعة من أنتليجنسيا الطبقة الوسطى التي انهارت معنوياتها السياسية إثر هزائم العقد الثالث من القرن العشرين و أدت نزعة الشك إلى تشويه أخلاقها. لكن ويا للسخرية وفي خضم اندلاع الصراع ضمن حزب العمال الاشتراكي كتب برنهام وشاختمان مقال نشر في يناير 1939 من نشرة الأممية الجديدة عرض وصف صارم لسمات " مثقفين في حالة تراجع".

"تنتج كل مرحلة من مراحل رد الفعل التي تلي هزيمة ثورية مجموعة متنوعة من العقائد السطحية والزائفة جديدة ومتأنقة تتجنب الماركسية بوصفها تجاوزت عمرها الافتراضي.وقد يكون من المفيد مقارنة تاريخ " صراع الأجنحة" الذي نتج عن هزيمة الثورة الروسية عام 1905 مع مثيلاته خلال العقد الأخير أو خلال فترة أطول.إنه المزاج الرجعيالحالي المتصف بالاكتئاب وخمود الهمة ، وفقدان الثقة في قدرة البروليتاريا على التعويض و فقدان الثقة بحركتها الثورية الذي يتخذ شكل هجمات واسعة النطاق ضد الماركسية الثورية. إن المثقفين الراديكاليين ، بسبب موقعهم الاجتماعي، هم بشكل عام أول من يتحول إلى هذا النمط من الأمزجة ويستسلم لها بدلاً من مقاومتها بتأني. لقد كان هؤلاء المثقفون ، بدرجة مختلفة تماما ، بالتأكيد، ضحايا لمرحلة تراجعنا المطولة كما أن التشويه الستاليني للثورة الروسية والصعود المؤقت للفاشية كانا من نتائجها.

ويمكن القول أن المرض الأشد الذي عانى منه هؤلاء المثقفون كان الهلع من ستالين أو المناهضةالمبسطةللستالينية، و فاقم من انتشار المرض الاشمئزاز العام من نظام ستالين المروع القائم على تلفيق التهم وحملات التطهير . وكانت النتيجة أن معظم الكتابات حول هذا الموضوع منذذلك الحينكانت نتيجة صدمة عقلية أكثر من أن تكون نتيجة تحليل اجتماعي بارد ، وعندما نجد تحليلً نرى أنه أخلاقي المحتوى بدلاً من أن يكون علمياً أو سياسياً. " [9]

وإنه من الحصافة الاستنتاج أن برنهام وشاختمان تمكنا من تقديم وصف واف تماماً لمرض المثقف الذي استسلمت له الأنتليجنسيا نظراً لأنهما جربا أعراضه. وقبل نهاية العام تطور المرض الذي أصابهما نحو مرحلته الأخيرة.

وثمة سمة من سمات التحريفية المعادية للتروتسكية التي ظهرت في صراع عامي 1939-1940 تمثلت بالرفض الكامل للأسس الفلسفية ، وللقاعدة الطبقية ، وللبرنامج السياسي و للمنظور التاريخي للماركسية، وهي لم تكن موجهة نحو التعديل الإصلاحي للنضال الثوري في سبيل الاشتراكية بل نحو رفض الهدف بالتحديد. ومع تطور نقدهما " للتروتسكية الأرثوذكسية" وصلا إلى نتيجة أنه لم يكن هناك فيها أي عنصر يتوافق مع الماركسية .

وبطبيعة الحال وصل أفراد متعددين من الأقلية إلى هذه النتيجة في أوقات مختلفة ، المسار الجوهري الجانح نحو اليمين من قبلمعارضة برنهام- شاختمان كان واضحاً في خطاب انسحاب برنهام من حزب العمال المؤرخ في الحادي عشرين من مايو 1940. وبشكل عام اعتبرت هذه الوثيقة مصدر إرباك لشاختمان الذي فوجئ دون مقدمات بانسحاب أقرب حلفائه من هجر شديد الأنحدار لأقرب حليفه السياسي.

لكن عندما ننظر إلى الأمر ضمن إطار تاريخي وسياسي أوسع نجد أن خطاب برنهام لم يقتصر على تحديد ورصدد التطور السياسي لدى ماكس شاختمان في أعقاب قطعه العلاقاتمع الأممية الرابعة، بل وكذلك تسريع تطور كل التيارات المعارضة التي ستظهر ضمن الأممية الرابعة وحزب العمال الاشتراكي خلال العقد الرابع من القرن العشرين حيث أعلن برنهام:

"أنا لا أتقبل أي شيء من بين أهم المعتقدات التي ارتبطت بالحركة الماركسية ومختلف تياراتها سواء في صيغتها الإصلاحية، أو اللينينية ، أوالستالينية أو التروتسكية في شكلها التقليدي. أنا أنظر إلى هذه المعتقدات بوصفها مخادعة أو أن الزمن تجاوزها أو أنها بدون معنى ، أو في بعض الحالات ، وهذا في أحسن الأحوال، صحيحة فقط بشكل محدود للغاية ومعدل بحيث لم يعد من الوارد تسميتها ماركسية ....

ولا يقتصر الأمر على اقتناعي بعدم جدوى قول أن " الرأسمالية حتمية " أو أنه من الخطأ اعتبار أن الاشتراكية " هي البديل الوحيد للرأسمالية "، بل أنا أعتبر أنه على أساس المعطيات المتوفرة لدينا الآن هناك شكل جديد لمجتمع الاستغلال ( وأنا اسميه " المجتمع الإداري") ولا يقتصر الأمر على أنه بديل محتمل للاشتراكية بل أنه من الأرجح أن يكون هو لا الاشتراكية المرحلة التالية للحقبة الحالية .....

وأنا لا أتفق بشكل قاطع وتام ، وهو أمر فهمه كانون منذ زمن طويل ، مع المفهوم اللينيني للحزب – ولا مع تعديلات ستالين أو كانون لذلك المفهوم، بل لا أتفق مع مفهوم لينين و تروتسكي .....

وفي ضوء مثل هذه المعتقدات، وغيرها المشابهة لها، فإنه من الغني عن القول أن علي رفض قسم معتبر من الوثائق البرنامجية لحركة الأممية الرابعة (التي قبلها حزب العمال) يبدو لي ، كما كان موقفي في البداية ،أن وثيقة " البرنامج الانتقالي" – وكما كان عليه الحال عند تقديمها لأول مرة- لا تعدو أن تكون هراء ومثال مفتاحي عن عجز الماركسية، حتى عندما تكون بين يدي ألمع ممثليها الفكريين ، عن التعامل مع التاريخ الحالي. " [10]

وفي النهاية اعترف برنهام بأن موقفه السياسي لم يكن منفصلاً عن الانهيار والإحباط الشخصي الذي قام هو وشاختمان بوصفه في " مثقفين في حالة تراجع".

"قد أكون آخر من يدعي بأن أي رجل سيتهور إلى حد يتخيل معه أنه يعرف بوضوح كل الدوافع و المنابع المرتبطة بأفعاله الشخصية. إن كل ذلك الخطاب يمكن أن يكون طريقة مبالغة في التفصيل للنطق بجملة واحدة: " أشعر أنني أتخلى عن السياسة". ومن المؤكد أن هذا هو الحال أنني تحت تأثير الهزائم والخيانات على مدى أكثر من عشرين عام انصرمت وهذا يشكل جزء من القرائن الداعمة لاعتقادي بوجوب التخلي عن الماركسية ففي مواجهة كل اختبار قدمه التاريخ نجد أن الحركات الماركسية إماأفشلت الاشتراكية أو خانتها. كما أن هذه الهزائم أثرت على شعوري وعلى مواقفي، أنا أعرف هذا . " [11]

كانت الجملة الأخيرة ، بالتأكيد، تبرير مبهر لنكث برنهمان لتعهداته. فبدلاً من المشاركة في فشل أو خيانة للاشتراكية قرر القيام بخطوته الشخصية الاستباقية و هجر الحركة الثورية. وبعد انسحابه من حزب العمال انتقل برنهام بسرعة إلى صفوف السياسات البرجوازية المعادية للشيوعية في أقصى اليمين. كما صار ، بعد الحرب العالمية الثانية ، اصبح استراتيجيًاللإمبريالية الأمريكية ودعا لقيام " فيدرالية عالمية" تهيمن عليها الولايات المتحدة بهدف محاربة الاتحاد السوفيتي والشيوعية . وخلال العقد الخامس من القرن العشرين تعاون مع ويليام ف. بكلي جونيور ، المغرق في الرجعية ، في تأسيس مجلة ناشونال رفيو ، واعترف به بوصفه قائد فكري كبير بين المحافظين الجدد في الولايات المتحدة ومنح ميدالية الحرية من قبل الرئيس دونالد ريغان عام 1983.

سبق جحد برنهام للماركسية المسار الذي لم يسلكه أنصار شاختمانوحدهم بل وكذلك كل التيارات المعارضة التي ظهرت داخل حزب العمال الاشتراكي والأممية الرابعة خلال العقد الرابع من القرن العشرين. وإذا استعرنا بيانًا مشهورًا صاغه وعدلناه يمكن القول أنه في حين أن ليس كل بورجوازي صغير وتروتسكي سابق هو برنهام لكن ثمة شيء من برنهام لدى كل شخص محبط تخلى عن التروتسكية. [12]

كان أول وأهم تلك التيارات مجموعة " الأطروحات الثلاث" ( المعروفة أيضاً بالمتراجعين " ) التي خرجت من الحزب الشيوعي الألماني الأممي . كانت هذه المنظمة من التروتسكيين الألمان المهاجرين تحت قيادة جوزيف فيبر (1901-1959). وقبل نشر كتاب"الموروث الذي ندافع عنه"تم تناسي الدور الهام لهذه المجموعة في تطوير المفاهيم المعادية للتروتسكية داخل الأممية الرابعة. ولا يمكن فهم أصل معارضة مورو – غولدمان ومواقفهما ، التي ظهرت في فترة لاحقة، دون الرجوع إلى الوثائق التي كتبها فيبر. ويتناول الفصل الثامن من هذا الكتاب سياسات الحزب الشيوعي الألماني الأممي . لكن نظراً للجهود الحديثة ( التي سأستعرضها بإيجاز) التي بذلت لإعلاء مكانة فلييكس مورو ( 1906-1988) وألبرت غولدمان ( 1879-1960) بوصفهما نبيين كان استشهادهما السياسي على يدي كانون نذيراً بموت التروتسكية ، من الضروري تقديم عرض موجز ومختصر لمفاهيم الحزب الشيوعي الألماني الأممي المحبطة والانهزامية المعادية للماركسية .

في شهر أكتوبر 1941 نشر الحزب الشيوعي الألماني الأممي بيان رفض فيه منظور الثورة الاشتراكية العالمية بوصفه حلم سياسي بعيد المنال وقال أن انتصارات الفاشية في أوروبا عنت أن الطبقة العاملة قد أعيدت للظروف التي سادت ما قبل 1848. وشدد البيان على أن العالم المعاصر لا يتقدم باتجاه الاشتراكية بل يتراجع باتجاه الهمجية . وهذا التراجع لم يكن نتيجة مؤقتة للهزائم السياسية التي يمكن قلبها من خلال موجة جديدة من النضالات الثورية للطبقة العاملة تحت قيادة حزب ماركسي . بل علينا بالأحرى فهم التراجع . بوصفه صيرورة حتمية . إن الانتصار العسكري للنازيين ، الذي اعتقد الحزب الشيوعي الألماني الأممي غير قابل للعكس ، دشن مرحلة جديدة في تاريخ العالم.

"إن السجون و الغيتوهات الجديدة والعمل القسري (السخرة) ، و معسكرات التجميع وحتى معسكرات أسرى الحرب لا تقتصر على أن تكون مؤسسات سياسية – عسكرية انتقالية بل هي أشكال جديدة للاستغلال الاقتصادي التي ترافق التطور باتجاه دولة عبيد معاصرة والقصد منها أن تكون المصير الدائم لنسبة مئوية هامة من الجنس البشري ". [13]

واستنتجت مجموعة " الأطروحات الثلاثة" أن النضال في سبيل الاشتراكية تحت وطأة ردة تاريخية قد تم استبداله بالميل "لنزعة الحرية القومية. " [14]وفي وثيقة تالية كتبت عام 1943 ونشرت في صحيفة الأممية الجديدة ( التي شاركت فيها الأقلية الشاخمانتية في أعقاب انشقاق 1940) في أكتوبر 1944، رفض الحزب الشيوعي الألماني الأممي بشكل صريح التحليل التاريخي للحقبة الإمبريالية الذي طوره لينين خلال نضاله ضد خيانة الأممية الثانية التي استندت إليه إستراتيجية الحزب البلشفي عام 1917 و خلص إلى :

"إذا عدنا بنظرنا إلى الحرب العالمية الأولى و اصطفاف الدول على المستوى الشامل في تلك الفترة يتوجب علينا الإقرار بأن الحرب العالمية الأولى ، وعلى الرغم من كل التشابكات السببية التي أدت إلى اندلاعها، لم تكن أكثر من سوء مصيبة تاريخيةللرأسمالية وكانت حدثاً عارضاً، مهد لانهيار الرأسمالية في إطار ضرورة تاريخية وبشكل مبكر قبل أن تنضج الظروف التاريخية لذلك." [15]

لكن إن كانت الحرب العالمية حادثاً فهذا ينطبق على انهيار الأممية الثانية وكذلك على انتصار ثورة أكتوبر وتأسيس الأممية الشيوعية وبالتالي تم في واقع الأمر إنكار كل أساس موضوعي للإستراتيجية الماركسية الثورية للقرن العشرين كما صاغها لينين وتروتسكي.

صاغ الحزب الشيوعي الألماني الأممي تشاؤمه السياسي بأشد العبارات حيث أعلن أن الطبقة العاملة قد انتهت كقوة ثورية"و تقطعت أوصالها و تشرذمت وانقسمت و تجابهت أقسامها على كل المستويات، وهي محبطة سياسياً ومعزولة على المستوى الدولي وخاضعة للرقابة... " [16]وعلى الرغم من تعفن الرأسمالية لكن الطبقة العاملة كانت عاجزة عن الإطاحة بها . وأكد الحزب الشيوعي الألماني الأممي "أن الخطأ الأكثر شيوعاً" للحركة التروتسكية ، الذي نتج عن "سوء فهم مطبق للماركسية"، هو تصور"أن نفي الرأسمالية هو حصرياً مهمة الثورة البروليتارية..."وفي مواجهة عجز الطبقة العاملة كقوة ثورية أعلن الحزب الشيوعي الألماني الأممي العودة إلى النضال "منذ قرن من الزمان" في سبيل الديمقراطية [17].وهو عارض دعوة الأممية الرابعة لإقامة ولايات متحدة اشتراكية في أوروبا:

"قبل أن تتمكن أوروبا من توحيد نفسها ضمن " دول اشتراكية" عليها أولاً أن تنفصل من جديد إلى دول مستقلة ذات سيادة . فالقضية بأسرها هي قضية انقسام الشعوب المستعبدة وعلى البروليتاريا أن تنظم نفسها من جديد بوصفها أمة..

وبإمكاننا صياغة المهمة وفق الطريقة التالية : أن الهدف هو إعادة بناء كل التطور واسترجاع كل إنجازات البرجوازية ( بما في ذلك حركة العمال) والوصول إلى أعلى مستوى من الإنجازات وتجاوزها....

لكن المسألة السياسية الأكثر إلحاحاً هي القضية القديمة المتعلقة بربيع الرأسمالية الصناعية والاشتراكية العلمية،- أي تحقيق الحرية السياسية وإقامة الديمقراطية ( وهذا ينطبق على روسيا أيضاً) بوصفها شرط مسبقلا غنى عنهللتحرر الوطني ولتأسيس حركة عمالية" [18].

وشدد الحزب الشيوعي الألماني الأممي على أن دعوته للعودة السياسيةإلى عصر ما قبل 1848 والتخلي عن النضال في سبيل اشتراكية أممية والعودة إلى النضال في سبيل السيادة الوطنية والديمقراطية البرجوازية ينطبق على كل البلدان.

"ومع وجود بعض التعديلات المناسبة فإن هذه المسألة ]المتعلقة بالديمقراطية والتحرر الوطني[ قائمة في كل أرجاء العالم : في الصين والهند واليابان وأفريقيا واستراليا وكندا وروسيا و إنجلترة وبكلمة واحدة هي موجودة بالنسبة لكل أوروبا وشمال وجنوب أمريكا ولا يوجد أي بلد لا يواجه مسألة الديمقراطية وقضية القومية في شكل مكثف بقوة، ولا يوجد في أي مكان حركة عمالية سياسية منظمة". [19]

وأعلن الحزب الشيوعي الألماني الأممي أن الشعار الوحيد الذي يجب تبنيه هو " الحرية الوطنية".

"وبهذا نقصد أن نقول أن المسألة الوطنية هي واحدة من المراحل التاريخية التي أضحت بالضرورة نقطة الانتقال الإستراتيجية على طريق إعادة بناء الحركة العمالية والثورة الاشتراكية. ومن لا يفهم هذه المرحلة التاريخية الضرورية ولم يعرف كيف يستخدمها فهو لم يدرك شيء من الماركسية اللينينية ولم يفهمها. " [20]

في الواقع كان الحزب الشيوعي الألماني الأممي هو الذي رفض برنامج لينين وتروتسكي . إن الفصل بين النضال في سبيل المطالب الديمقراطية والنضال للإطاحة بالرأسمالية يعني التخلي عن نظرية وبرنامج الثورة الدائمة. ففي البلدان ذات التطور البرجوازي المتأخر تعني الثورة الدائمة وفق شرح تروتسكي "أن الحل الكامل والأصيل لكل مهامها لإنجاز الديمقراطية و التحرير الوطني لا ينطلق إلا من منظور ديكتاتورية البروليتاريا بوصفها قائدة الأمة المستعبدة ، وبوصفها في المقام الأول قائدة جماهير فلاحيها." [21]

وفي حين قام الحزب الشيوعي الألماني الأممي بفصل المطالب الديمقراطية عن الاشتراكية في البلدان الأقل تطوراً نجد أنه بذل جهوداً لبعث برنامج تحرر وطني في المراكز المتقدمة في العالم الرأسمالي ورفض النضال في سبيل الاشتراكية بوصفه غير ملائم، وبرهن بذلك عن إصابته بأقصى درجة منالإحباط السياسي. ولاحقاً تذكر المتعاونون مع جوزيف فيبر ، زعيم الحزب الشيوعي الألماني الأممي، وأصدقائه أنه كرر مراراً التعبير عن وجهة نظره خلال منتصف العقد الرابع من القرن العشرين ورأى سيطرة النازية على أوروبا ستستمر على الأقل لمدة ثلاثين سنة إن لم يكن خمسين. [22]

رحب أنصار شاختمانبموقف الحزب الشيوعي الألماني الأممي ودعموه حيث أن القول بإدانة ثورة أكتوبر لأنها لم تقع في الوقت المناسب كانت منسجمة تماماً مع رفضهم لتعريف الاتحاد السوفيتي على أنه دولة عمال وكذلك مع رفضهم للدفاع عن الاتحاد السوفيتي في مواجهة الإمبريالية.

إن المنظور المحبط للحزب الشيوعي الألماني الأممي- الذي نأى بنفسه عن الأممية الرابعة- وجد دعماً في النهايةداخل حزب العمال الاشتراكي واتخذ شكل تيار مورو- غولدمان الذي برز ،عام 1944، بوصفه معارضة متميزة داخل حزب العمال الاشتراكي . وقبل تحرير كتاب "الموروث الذي ندافع عنه"تم بشكل كاذب تقديم هذا التيار ،يميني التوجه، بوصفه بديل بعيد النظر لاستجابة كانون الدوغمائية والمفتقدة للمعلومات وغير الواقعية للوضع السياسي عند نهاية الحرب العالمية.

وكان القائدين الرئيسيين لهذا التيار لعبا أدوار هامة في الأممية الرابعة وفي الحزب الأمريكي حيث عمل ألبرت غولدمان بوصفه محامي تروتسكي ومثله أمام لجنة ديوي عام 1937. وخلال محاكمة قانون سميث عام 1941 دافع غولدمان عن أعضاء في حزب العمال الاشتراكي متهمين بإثارة الفتنة. كما كان ضمن المتهمين وواحداً من ثمانية عشر عضواً في الحزب أدينوا بالتهمة وأرسلوا إلى السجن.

في حين كان فليكس مورو عضواً في اللجنة السياسية لحزب العمال الاشتراكي وكان صحافياً اشتراكياً معروفاً اشتهر بفضل كتابه "الثورة والثورة المضادة في إسبانيا". وكان بدوره من بين الأعضاء الذين حكم عليهم بالسجن في ختام محاكمة 1941. وكان هناك عضواً آخر هامً في جناح مورو- غولدمان هو جان فان هايجنأورت ( 1912-1986) سبق له العمل بوصفه السكرتير السياسي لتروتسكي خلال العقد الثالث من القرن العشرين وكان بحكم الواقع سكرتير الأممية الرابعة خلال الحرب العالمية الثانية.

قدم كتاب "الميراث الذي ندافع عنه"مراجعة مفصلة لمواقف تيار مورو – غولدمان، ومع هذا ، فمنذ نشر الكتاب فإن توفر نشرات حول النقاشات الداخلية في حزب العمال الاشتراكي التي لم أتمكن من الوصول إليها عامي 1986-1987، جعلت من الممكن وضع تصور كامل لمدى تأثير الحزب الشيوعي الألماني الأممي على تيار مورو- غولدمان .

ففي عام 1942 عارضمورو وغولدمان وفان هايجنأورت ( الذي كتب تحت اسم مارك لوريس) الحجة التي طرحت في قرار " الأطروحات الثلاث" لكن مع نهاية 1943 عرفتمواقفهم تغيراً جذرياً . فخلال الصراع السياسي داخل حزب العمال الاشتراكي وداخل الأممية الرابعة، ثم تطورت خلال الأعوام الثلاث التالية حيث طرح مورو أن التزام الأممية الرابعة ببرنامج الثورة الاشتراكية في أوروبا جعلها غير ذات أهمية سياسية ضمن الظروف التي قامت عند نهاية الحرب العالمية الثانية .

شدد جناح مورو- غولدمان خلال تفسير الأحداث في أوروبا – وبشكل خاص في فرنسا وإيطاليا- من منطلق محافظ وانهزامي وادعى بكل بساطة أنه لم يكن هناك إمكانية لثورة اشتراكية، وطرح أن الأممية الرابعة لم يكن أمامها خيار سياسي قابل للحياة باستثناء التحول إلى حركة تناضل في سبيل إصلاحات ديمقراطية بورجوازية والتحالف مع الاشتراكيين الديمقراطيين ومع مختلف الحركات البورجوازية ذات التوجه الديمقراطي .

ومع دفاعهم عن تحويل الأممية الرابعة إلى تابع للديمقراطية البورجوازية رفض كل من مورو ، وغولدمان ، وفان هايجنأورت قيام حزب العمال الاشتراكي بالدفاع عن الاتحاد السوفيتي . وفي مارس 1943 كتب مورو : "احتفلت جماهير غفيرة عبر العالم بانتصارات الجيش الأحمر. لم يتعلق الأمر بنظرية منمقة بل بالولاء الطبقي لأن الجماهير فهمت أن انتصار السوفييت هو انتصارها وهي واعية للتمييز بين دولة العمال وبين حلفائها الرأسماليين. " [23]

لكن مع السرعة التي لا تسمح بالتقاط النفس التي تميز أولئك الذين يقطعون مع التروتسكية ويتحولون باتجاه اليمين انتقل مورو إلى وجهة نظر معاكسة بشكل مطلق وأدان عام 1946 إصرار حزب العمال الاشتراكي على أن انتصار الجيش السوفيتي على النازيين ساهم في تحول الجماهير الأوروبية نحو مواقف راديكالية سياسية وقال : "إن كل الأسباب التي طرحناها للدفاع عن الاتحاد السوفييتي قد اختفت [24]."

دعا تيار مورو- غولدمان لاعادة التوحيد السياسي مع أنصار شاختمان الذين تطور رفضهم السابق للدفاع عن الاتحاد السوفيتي بسرعة إلى دعم كامل لصراع الإمبريالية الأمريكية ضد "الشمولية الشيوعية". وبالمقابل رفضت الأممية الرابعة وحزب العمال الاشتراكي بشدة المنظور المحبط لكل من من غولدمان ومورو وكانا محقين في هذا.

إن تقييم الحجج حول " الخط الصحيح" تجاه الأحداث في أوروبا لم يكن قضية خطاب فكري مجرد. ففي خضم وضع مائع و مقلقل ، حيث كان الشك يخيم على نتيجة الأزمة السياسية التي تلت الحرب،سعى التروتسكيون للتعبير بشكل كامل عن القدرات الثورية الكامنة في ذلك الوضع ، وأقاموا أساس عملهم على الإمكانات الموضوعية الموجودة للإطاحة بالرأسمالية بدلاً من الافتراض المسبق بحتمية استعادة الرأسمالية لتوازنها.

خلال الساعات الحاسمة التي سبقت صعود هتلر إلى السلطة سئل تروتسكي إن كان الوضع "ميئوساً منه"، وكان رده أن هذه الكلمة ليست على قائمة مفردات الثوريين، وأعلن تروتسكي أن "الصراع هو الذي سيحسم الأمر." وكانت هذه هي الإجابة الملائمة في وجه كل من طرحوا ، في خضم الفوضى والعماء في أوروبا ما بعد الحرب أن القضية الثورية كانت ميئوساً منها وأن استقرار الرأسمالية أمر لا مفر منه. ولو أنهم قبلوا الهزيمة مسبقاً وفق أطروحات مورو وغولدمان لكان التروتسكيين تحولوا إلى أحد العوامل الفاعلة لمصلحة إعادة استقرار الرأسمالية.

وفي جميع الأحوال فإن تحليل مورو للوضع الموضوعي الذي قام في أوروبا وعلى المستوى الدولي خلال المراحل الأخيرة من الحرب العالمية الثانية وفي الفترة المباشرة التي تلتها قد أساء تقدير إلى حدكبيرعمق واتساع الأزمة التي واجهها عالم الرأسمالية.إن الواقع الذي لا يمكن التشكيك به بأن الرأسمالية الأوروبية استقرت في النهاية إثر دخول مشروع مارشال عام 1947 لا يقلل من صحة المنظور الذي طرحته الأممية الرابعة عندما شارفت الحرب على الانتهاء.

فمع واقع أن البرجوازية في معظم بلدان أوروبا الغربية والوسطى كانت في حالة خنوعسياسي بعد أن فقدت مصداقيتها بشكل كامل نتيجة فظائع الفاشيين كان احتمال استيلاء الطبقة العاملة على السلطة أكبر مقارنة مع الوضع الذي ساد في أعقاب الحرب العالمية الأولى . ففي فرنسا وفي إيطاليا كانت جماهير العمال مسلحة تترقب بقلقتصفية الحساب النهائية مع الطبقة الرأسمالية. لم تكن المشكلة غياب الوضع الثوري " الموضوعي" . كان من المفروغ منه بالنسبة لكل دهاة استراتيجيي البورجوازية أن مزاج الجماهير كان راديكالياً إلى أقصى حد.

وقد وصف دين أكسون الذي سيصبح وزيراً في حكومة الولايات المتحدة الأزمة بأنها " بشكل ما أكثر روعة من الوضع الذي وصفه القسم الأول من سفر التكوين". [25]وفي مذكرة كتبها في ديسمبر 1944 ورفعها إلى هاري هوبكنز ،المساعد الخاص للرئيس روزفلت، حذر آكسون من حمام دم هائل سيجتاح أوروبا. " إن شعوب البلدان المحررة هي أشد مادة قابلة للاشتعال في العالم ...إنها عنيفة وهائجة " وإذا لم نعثر على طرق لفرض الاستقرار في أوروبا فإن " العنف و الهياج" المتصاعدين سيقودان إلى " قلب الحكومات". [26]

وفي كتاب صدر مؤخراً عن مبررات خطة مارشال والحرب الباردة كتب المؤرخ بن ستايل:

"أراد الناس أيضاتغييراً سياسياً . الأحزاب الشيوعية في كل أوروبا وعدت ببديل راديكالي عن الرأسمالية وبدا أن التاريخ يقف في صفهم. كان الاتحاد السوفيتي منتصراً في الحرب وصار أقوى بلد في القارة . وحصل الشيوعيون على 19% من الأصوات في إيطاليا ، وعلى 24% في فنلندا ( حيث أصبح الشيوعي ماونو بيكالا رئيساً للوزراء)، وحصدوا 26% من الأصوات في فرنسا عامي 1945- 1946 . وعلى الرغم من عدم إجراء انتخابات وطنية في ألمانيا قبل عام 1949 ( في الغرب) لكن الشيوعيين حصدوا 14% من الأصوات في بعض المنافسات المحلية . وبلغ مجموع الأصوات اليسارية بالاشتراك مع الاشتراكيين 39 في المائة في إيطاليا و 47 في المائة في فرنسا.وفي إيطاليا ظن كثيرون أن اليسار الثوري مهيأ للسيطرة على البلاد وبدا أن صعود الأحزاب اليسارية في المنطقة السوفيتية من ألمانيا نموذج سيطبق على نطاق واسع في أوروبا . " [27]

إن العامل الحاسم في احتواء الطبقة العاملة ، وقمع النبضات الثورية القوية، ومنح الإمبريالية الأمريكية والنخب الأوروبية المذعورة الوقت الذي تحتاجه لإنقاذ حكم الرأسمالية كان قبل كل شيء هو قيادة الأحزاب الستالينية. ففي إيطاليا كان دور القائد الستاليني بالميرو توغلياتي حاسماً. وكما جاء في دراسة حول تلك الفترة:

"إن ثقة القيادة الستالينية بأن الحزب الشيوعي الإيطالي سيمارس نفوذاً معتدلاً وسيمنع الأفعال التلقائية لم تكن في غير محلها. ونظراً للوضع الهائج بل القابل للانفجار وبفضل توجلياتي ، تم إلى حد كبير احتواء التحريض الثوري الذي ظهر بشكل منتظم خلال فترة المقاومة ، ويجب عدم التقليل من دوره في منعاندلاع حرب أهلية في الفترة المباشرة التي تلت تحرير شمال إيطاليا . إن واقع أن الاندفاع الثوري الذي استمر في الظهور على السطح داخل الحزب خلال المقاومة قد تم كبحه يعود إلى حد بعيد إلى جهود توغلياتي بالذات". [28]

ويقدم المؤرخ باول غينسبورغ وصفاً حياً لمعارضة توغلياتي للطلبات التي جاءت من صفوف الحزب داعية لقلب الدولة البورجوازية عن طريق ثورة اشتراكية:

"عند وصوله إلى سالرنو عرض توغلياتي على رفاقه ، وسط شيء الدهشة وبعض المعارضة ، الإستراتيجية التي نوى الحزب إتباعها خلال المستقبل القريب وقال أن على الشيوعيين تعليق عداءهم ، الذي طالما عبروا عنه، للملكية. بل على العكس حيث يترتب عليهم حث كل القوى المناهضة للفاشية للالتحاق بالحكومة الملكية التي تسيطر على كل إيطاليا جنوب سالرنو. وقال توغلياتي أن الانضمام للحكومة هو الخطوة الأولى نحو تحقيق الهدف الملح في تلك المرحلة – أي الوحدة الوطنية في مواجهة النازية والفاشية . وأن الهدف الأكبر للشيوعيين يجب أن يكون تحرير إيطاليا لا الثورة الاشتراكية. وقد عبر توغلياتي عن هذا بجلاء في التعليمات التي كتبها للحزب في يونيو 1944 : " تذكروا دائماً أن التمرد الذي نريده لا يهدف إلى فرض تحولات اجتماعية وسياسية وفق المعنى الاشتراكي أو الشيوعي بل يهدف للتحرر الوطني ولتدمير الفاشية. وكل المشاكل الأخرى ستحل من قبل الشعب غداً ما أن يتم تحرير إيطاليا ومن خلال تصويت شعبي حر وانتخاب جمعية تأسيسية.

إن هذه الجملة الأخيرة تظهر التزام توغلياتي بإعادة الديمقراطية البرلمانية إلى إيطاليا. فبالتباين عن تيتو لم يكن لديه نية لجعل ديكتاتورية البروليتاريا الهدف قصير الأجل للحزب ولا كان هدفه ببساطة استعادة النظام البرلماني كما كان قبل الحقبة الفاشية. " [29]

و في فرنسا لعب الحزب الشيوعي والنقابات التي سيطر عليها الاتحاد العام للشغل الستاليني دوراً في الثورة المضادة لا يقل عما قام به الحزب الشيوعي الإيطالي حيث تابع الدبلوماسيون الأمريكيون عن كثب نشاطات الحزب الشيوعي واعترفوا بامتلاكه القوة الكافية لتهديد النظام الرأسمالي أو الإطاحة به لو كان ميالاً لذلك أي أن الستالينيين صاروا ألعوبة في يدي الولايات المتحدة:

"قام قادة الاتحاد العام للشغل وأفراد شيوعيون بنسج علاقات مع موظفين أمريكيين رسميين من عام 1945 حتى عام 1947 بما يتلاءم مع إستراتيجية الحزب الشيوعي حول الوفاق الدولي والتعاون السياسي الداخلي . وقام المسؤولون الشيوعيون في الاتحاد العام للشغل بتزويد الأمريكيين بكم كبير من المعلومات كان معظمها مطمئن .... لم يسع الاتحاد العام للشغل للانتقال الفوري إلى الاشتراكية واكتفى بدعم الأهداف المحدودة للمجلس الوطني للمقاومة. كان الاتحاد العام للشغل مدافعاً عن صغار التجار، وظل النضال في سبيل رفع الإنتاج أساساً للسياسة الشيوعية ، وأكد أنه لن يكون هناك إضرابات في المؤسسات أو المرافئ الخاضعة " لسيطرة شعبنا. " [30]

ضمن سياقالوضع المتفجر في أوروبا ، الذي اشتدت حدته من خلال موجة النضال ضد الإمبريالية عبر كل المستعمرات القديمةتقريباً، فإن إصرار مورو على قيام الأممية الرابعة بحصر برنامجها وتحريضها في إطار المطالب الديمقراطية كان يعني أن التروتسكيين كانوا يدعمون خيانة الستالينيين لحركة الطبقة العاملة الثورية ويسهل إعادة استقرار الرأسمالية.

في عام 2014 نشرت مجلة العلم والمجتمع مقال معنون " الإستراتيجية والتكتيك خلال حقبة ثورية: التروتسكية في الولايات المتحدة والثورة الأوروبية 1943-1946" قدم المؤرخان دانييل غايدو و فيليا لوباريلو دفاعاً عارماً عن تيار مورو-غولدمان .وكان عنوان المقال إشكالياً حيث أن فذلكة حجة مورو الرئيسيةالتي أيدها غايدو و لوباريلو قامت على عدم وجود وضع ثوري. وذكرا، موافقة من مورو على الطلب من حزب العمال الاشتراكي والأممية الرابعة التخلص من " كل آثار مفهوم الوضع الثوري الموضوعي في هذه الأيام. " [31]إن العرض المنحاز الذي قدماه حول النقاش داخل الأممية الرابعة يدعم منظور مورو المحبط والمعادي للماركسية .

"ففي الواقع احتج مورو بأن الثورة لم تكن " المهمة الموضوعية للصيرورة الاجتماعية"وأن الوضع في أوروبا لم يكن في أي حال قابل للمقارنة مع الوضع الذي ساد بعد الحرب العالمية الأولى ". وحذر مورو قائلاً"نحن لسنا في صدد تكرار ما حصل بين 1917-1923." كان الوضع عام 1945 "أكثر تخلفاً"لأنه في ظل غياب نقطة التقاء لتثوير الجماهير ، مثل الثورة البلشفية والأممية الثالثة، فإن تطور الأحزاب الثورية كان أبطأ بكثير وبالتالي فإن العملية برمتهاستكون أطول بكثير. " [32]

لكن من أين انبثقت الثورة البلشفية والأممية الثالثة؟ فخلال عام 1917 خاض لينين وتروتسكي نضالاً لا هوادة فيه ضد المناشفة وضد أولئك العناصر داخل الحزب البلشفي الذين ادعوا أن الوضع لم يكن ثورياً وأنه لم يكن هناك إمكانية للذهاب ابعد من حدود برنامج بورجوازي ديمقراطي . ناضل البلاشفة للتعبير التام عن القدرات الثورية الكامنة في الظرف الموضوعي . لم ينتبه غايدو و لوباريلو للسفسطة المتناقضة ذاتياً والمعيقة للحركة التي تضمنتها نزعة مورو الانهزامية من خلال الادعاء بأن النضال في سبيل ثورة اشتراكية مستحيللأن الوضع لم يكن موضوعياً بالثوري .لكن الوضع لم يكن ثوري لأنه لم يكن هناك نقطة التقاءعلى الفعل الثوري.

من الجانب النظري لم يكن هناك سوى القليل من الجديد في الحجج المقدمة من قبل غايدو ولوباريلو فهما اتبعا إلى حد بعيد جوهر النقد الاشتراكي الديمقراطي للتروتسكية كما عرض في مقالين نشرا قبل أربعة عقود من السنين ، حيث نشر غيوف هودغسون عام 1975 مقال تحت عنوان " تروتسكي والماركسية القدرية"، وكذلك المقال الذي نشره بيتر جنكينز عام 1977 " عندما ضاعت التروتسكية : الحرب العالمية الثانية وآفاق ثورة في أوروبا". بدا هودغسون كثير الشبه بإدوارد برنشتاين حيث ادعى أن تصور تروتسكي حول المرحلة بوصفها مرحلة اضطراب اقتصادي غير محدود ، وحول انهيار نظام الدولة- الأمة البورجوازي، والحروب بين القوى الإمبريالية والثورة الاشتراكية كانت خاطئة من حيث الجوهروأن تروتسكي أورث الأممية الرابعة تركيزاً مبالغ به وغير واقعي على الأزمة. وكتب هودغسون أن مورو تحدى هذا المنظور الخاطئ : " وكانت النتيجةطردمورو وآخرين من حزب العماللاشتراكي. " [33]

وسار جنكينز على خطا هودغسون ومدح مورو لتحديه " الكارثية الثورية" التي تبنتها الأممية الرابعة كما مدحه لأنه طور في وقت مبكر نقداً " لميل ثابت في الحركة التروتسكية لبخس تقدير قابلية الديمقراطية البورجوازية للحياة في أوروبا وكذلك التقليل من شأن مدى قوة الأفكار الإصلاحية بين صفوف الطبقة العاملة" [34]. وخلص جنكينز إلى أن التروتسكية "ضاعت"وفشلت في تحويل نفسها إلى حركة اشتراكية ديمقراطية إصلاحية .

ومن حيث الجوهر طرح غايدو ولوباريلو استنتاج مماثل وقالا أن هزيمة مورو وغولدمان "أعاقت كل تحليل جدي لنتائج السياسات التي اتبعتها قيادة حزب العمال الاشتراكي والسكرتارية الأوروبية للأممية الرابعة التي اقتفت آثارها وهي سياسات ساعدت في انحدار التروتسكية إلى حالة عجز سياسي على مدى معظم سنوات القرن. [35]

لكن ما الذي قصده غايدو ولوباريلو "بالعجز السياسي"؟ حيث أنه في إطار ما قدماه من حجج فإن هذا لا يعني سوى أنه كان على الحركة التروتسكية تبني الشخصية السياسية والبرنامج السياسي لمنظمة منظمة إصلاحية اجتماعية ديمقراطية. وأنه كان عليها تفادي " العجز السياسي " من خلال كسب النفوذ في إطار البرلمانية البورجوازية وبالتالي تحويل حزب تروتسكي المناضل في سبيل ثورة اشتراكية عالمية إلى أحزاب قومية اشتراكية ديمقراطية وإصلاحية .

عام 1940 وخلال تحليله لحجج الأقلية كتب تروتسكي :" لقد فات شاختمان أمر تافه: إنه موقفه الطبقي" [36]. ويمكن قول هذا عن مقال غايدو- لوباريلو الذين فاتهما أيضاًهذا الأمر التافه. لم يكن هناك أي اعتبار للطبيعة الطبقية القائمة- وهذا هو المسار الاجتماعي- السياسي الموضوعي لتيار مورو وغولدمان. فالمقال لم يطرح أبداً المسألة الجوهرية ما هي المصالح الطبقية التي عبر عنها مورو وغولدمان؟ وهذا سهو مؤسف خصوصاً بالنسبة للبروفيسور غايدو الذي التزم سنوات عديدة في عمل بحثي جدي حول تاريخ الحركة الماركسية.إن هذا الباحث صاحب الضمير عادة لم يضمن مقالته إلا إشارة خاطفة " للأطروحات الثلاثة" التي تبناها جوزيف فيبر والحزب الشيوعي الألماني الأممي ولم ينتبه إلى تأثيرها الحاسم على فليكس مورو. بل أن ثرثرة غايدو وموقفهغير جدي من التطور السياسي لكل من مورو وغولدمان وفان هايجنأورت، يمثل خللأكثر لا يمكن الدفاع عنه.

إن كل كبار ممثلي تيار مورو- غولدمان تركوا الحركة التروتسكية ، وتخلوا عن السياسات الاشتراكية وانتقلوا إلى السياسة اليمينية بشكل حاد. ومن الواضح أن المسار تطور منطقياً بعيداً عن مواقفهم التي طرحوها في صراع فصائلي. ولقد مضوا كلهم ، بشكل متفاوت، على مسار جيمس برنهام . فقد هجر هايجنأورت الأممية الرابعة وأدان الاتحاد السوفيتي بوصفه دولة عبيد وأنهى التزامه بالسياسات الاشتراكية وصار عالم رياضيات مرموق . في حين تخلى غولدمان عن حزب العمال الاشتراكي وانضم ، لفترة قصيرة ، إلى الحركة الشاختمانية ، وبعد ذلك بفترة قصيرة ، تبرأ من الماركسية. أما مورو فبعد طرده من حزب العمال الاشتراكي عام 1946، تخلى عن السياسات الاشتراكية ، ودعم الإمبريالية الأمريكية خلال الحرب الباردة ، وأصبح ثريا من عمله ناشراً لكتب الأدب الغامض .

في شهر نوفمبر من عام 1976 ، وعندما كنت أقوم ببحث بتكليف من اللجنة الدولية حول اغتيال ليونتروتسكي التقيت مع فليكس مورو . كان في الواحد والسبعين من العمر ويعيش في ضاحية من ضواحي نيويورك . وعند تذكرالصراع الفصائلي 1943- 1946 أقر مورو بأنه على الرغم من كل خلافاتهما السياسية فإن كانون كان محقاً في نقطة هامة . لم يعد مورو معتقداً بإمكانية حدوث ثورة اشتراكية وهو تذكر أنه خلال خطابه الأخير أمام أعضاء حزب العمال الاشتراكي قبل طرده قد أعلن أنه لا يستطيع أبداً الانفصال عن الحزب لكن بعد مغادرته لقاعة الاجتماع عرف مورو أن مرحلة من حياته قد انتهت وأنه لن ينشط أبداً في إطار سياسات اشتراكية ، و شعر تقريبا كما لو انه لم يكن ابدا عضوا فيانتابه شعور الحركة التروتسكية. سألت مورو هل يساوره أي شعور بالندم حول الماضي ، فرد قائلاً :فقط أمر واحد كان علي التفاوض للحصول على عائدات مالية عن كتابي "الثورة والثورة المضادة في إسبانيا"."

أما بالنسبة لماكس شاختمان فقد صار خلال العقد الخامس من القرن العشرين مستشاراً للبيروقراطية النقابية المعاديةللشيوعية بضراوة. وخلال العقد السادس أيد شاختمان غزو خليج الخنازير في كوبا الذي نظمته وكالة الاستخبارات المركزية عام 1961، كما أيد لاحقاً تدخل الولايات المتحدة في فيتنام.

إن التطور السياسي لكل من شاختمان و مورو وغولدمان وفان هايجنأورت كان جزءاً من صيرورة اجتماعية أوسع عندما أدت أجواء الحرب الباردة ، وإعادة الاستقرار الاقتصادي في أوروبا ما بعد الحرب، والبيروقراطية الخانقة للحركة الثورية للطبقة العاملة ، إلى التأثير على الآفاق السياسية بين أوساط الأنتليجنسيا البورجوازية الصغيرة اليسارية، حيث أفسحت الماركسية الطريق أمام الوجودية وتم استبدال التركيز السابق على الصيرورة الاجتماعية بالتركيز على المشاكل الشخصية. وتراجع التقييم العلمي للأحداث السياسية لمصلحة تفسيرها انطلاقاً من وجهة نظر علم النفس. كما أن التصورات حول المستقبل المستند إلى قدرات التخطيط الاقتصادي أفسح المجال لأحلام اليقظة الطوباوية. وتراجع الاهتمام بالاستغلال الاقتصادي للطبقة العاملة وبرز على الساحة الانشغال بالمشاكل البيئية التي فصلت عن موضوع الحكم الطبقي والنظام الاقتصادي.

ومن جهة أخرى فإن تطور قادة الحزب الشيوعي الألماني الأممي يعبر عن عملية رد الفعل الفكريةالتي تم تحديدها اجتماعياً. لقد بادر الحزب الشيوعي الألماني الأممي إلى قطع علاقته بالأممية الرابعة الذي وجه إليها جوزيف فيبر ، في الحادي عشر من أكتوبر 1946 خطاب مليء بالازدراء صرح فيه "إن الأممية الرابعة ميتة بل أنه لم يكن لها وجود أبداً" وادعى أنها قامت على أسس زائفة وعند قراءة وثائقها يتولد لدى المرء انطباع بأنها موجهة إلى "أميين سياسياً". [37]وسرعان ما قطع فيبر علاقته بالسياسات الماركسية بكل كامل ، و ندد بالاتحاد السوفيتي بوصفه دولةرأسمالية ، وتحول في النهاية إلى نبي لنزعة بيئية طوباوية وشبه فوضوية.

وكان من بين أهم مريديه عضو سابق في حزب العمال الاشتراكي موراي بوكشين ( 1921-2006) الذي أهدى عام 1971 كتابه "فوضوية ما بعد الندرة"إلى جوزيف فيبر .شكر بوكشين الذي صار معادياً شرساً للماركسية راعيه " لأنه صاغ قبل أكثر من عشرين عام الخطوط العامة للمشروع الطوباوي المعروض في هذا الكتاب." [38]لفتت كتابات بوكشين انتباه عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني القومي البورجوازي بعد اختطافه وسجنه من قبل الحكومة التركية عام 1999 حيث وجد أوجلان في كتابات بوكشين أفكار تتوافق مع مقترحاته الشخصية حول " الكونفدرالية الديمقراطية". وعند وفاة بوشكين كرمه حزب العمال الكردستاني بوصفه " أحد أعظم علماء الاجتماع في القرن العشرين" [39]

إن السياسات محكومة بمنطق المصالح الطبقية، وهذه حقيقة أساسية جرت العادة على تناسيها خصوصاً من قبل الأكاديميين الذين يسعون لتقييم الفصائل السياسية على أساس معايير ذاتية.والأدهى أن أحكامهم تتأثر بانحرافاتهم السياسية الشخصية خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتقييم الخلاف بين الانتهازيين وبين الثوريين. فبالنسبة للأكاديميين من البرجوازية الصغيرة تبدو السياسات التي يدافع عنها الانتهازيون .أكثر "واقعية " من تلك التي يطرحها الثوريون. لكن كما أنه لا توجد فلسفة بريئة فليس هناك سياسات بريئة ، وبغض النظر عن توقعها أو عدم توقعها ، تترتب عن كل برنامج سياسي نتائج موضوعية . لقد أقرت الأممية الرابعة وحزب العمال الاشتراكي ، محقين، في العقد الرابع من القرن العشرين أن برنامج الحزب الشيوعي الألماني الأممي حول تحرر وطني وديمقراطية عالميةموضوع خارج السياق التاريخي كان تعبيراً عن مصالح طبقية مغايرة معادية للاشتراكية .

كتب غايدو و لوباريلا في ختام مقالهما " أن أزمة الأممية الرابعة لم تبدأً، كما يقال في كثير من الأحيان، مع الجدل الذي أطلقه عام 1953ميشيل بابلو حول التكتيكات العميقة بل قبل ذلك بعشر سنواتنتيجة لعجز قيادة حزب العمال الاشتراكي عن أقلمة تكتيكاتها مع الوضع الجديد الذي تطور في أوروبا نتيجة سقوط موسوليني عام 1943 …" [40]ويتمثل جوهر هذا الطرح بأنه كان على الحركة التروتسكية حل نفسها خلال العقد الرابع من القرن العشرين . إن جهودها غير المدروسة لتأييد برنامج ثوري غير واقعي فرض عليها " العجز السياسي"، وكان سبب الأزمات اللاحقة التي نزلت بالأممية الرابعة. إن الهدف من هذا السرد الجديد الذي اقترحها غايدو و لوباريلو هو إلقاء مسؤولية أزمات الأممية الرابعة ليس على أولئك الذين سعوا لتصفية الحركة التروتسكية و لكن بدلا من ذلك على أكتاف أولئك الذين سعوا للدفاع عنها.

إن الفضل السياسي الكبير يعود لجيمس ب. كانون الذي دافع عن منظور الثورة العالمية للحركة التروتسكية ضد تيار مورو- غولدمان اللذان سلكا مسار برنهام وشاختمان ودافعا عن الاستسلام "للديمقراطية " في ظل حماية الإمبريالية الأمريكية .وفي أعقاب النضال ضد هؤلاء المستسلمين واجهت الأممية الرابعة شكلاً آخراً من التحريفية المناهضة للتروتسكية، التي لم تكن أقل خطورة أو أقلاستمرارية بصورة خفية عن سابقاتها وتضافر ذلك بمواجهة برنامج وتكتيكات طرحها ميشيل بابلو وإرنست ماندل في نهاية العقد الرابع وبداية العقد الخامس من القرن العشرين.

وبغض النظر عن تباينات برنامجهم وتوجههم لكن كان هناك رابطاُ هاماً في المفاهيم التاريخية التي تجلت في الشكلين الرئيسيين من التحريفية(برنهام- شاختمان و بابلو –مانديل) االلذين ظهرا ضمن الأممية الرابعة بين 1940 و 1953. فوسط السياق الاجتماعي والسياسي والدوليفي العقدين الرابع والخامس من القرن العشرين كان المفهوم السياسي الجوهري الذي ربط بين أنصار شاختمان( وأتباعهم ضمن مجموعة "الأطروحات الثلاثة" مع التحريفية البابلوية التي ظهرت متأخرة بعض الشيء)هو رفض القدرات الثورية الكامنة لدى الطبقة العاملة. لكن كان هناك تباين اتخذه ذلك الرفض حيث طرح شاختمان وبرنهام فكرة أن الاتحاد السوفيتي يمثل شكل جديد من مجتمع "الجماعية" ، تحت سيطرة نخبة بيروقراطية كانت تسير على درب التحول ، وربما صارت فعلاً ، طبقة حاكمة جديدة. كما كان هناك مشتق عن نظرية شاختمان مفاده أن الاتحاد السوفيتي كان شكلاً من رأسمالية الدولة. في حين توصلت مجموعة "الأطروحات الثلاث"، وتبعها تيارمورو- غولدمان، إلى استنتاج أن الثورة الاشتراكية كانت قضية خاسرة تاريخياً.

أما تحريفيتي بابلو ومانديل ، اللتين ظهرتا في أواخر العقد الرابع من القرن العشرين فقد غطتا تخليهما عن التروتسكية بخطاب يساري سطحي. لكن وفق منظورهما كانت البيروقراطية الستالينية ، وليس الطبقة العاملة ، هي القوة القائدة لإقامة الاشتراكية.بالمقابل كانت النظرية البابلوية عكساً غريباً للنظرية الشاختمانية. ففي حين نددت الشاختمانية بالنظام الستاليني بوصفه مجتمع يمثل سلفاً لشكل جديد من "البيروقراطية التجميعية"الاستغلالية أعلن التيار البابلوي أن الأنظمة الستالينية التي أقيمت في شرق أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية هي الشكل الضروري للانتقال التاريخي من الرأسمالية إلى الاشتراكية. إن كل هذه التيارات، وكل منها على طريقته، أرست قواعد منظورها السياسي على انتفاء الدور الثوري للطبقة العاملة ورأت أنها كفت عن أن تكون قوة نشطة ناهيك عن أن تكون حاسمة في الصيرورة التاريخية .

إن التشاؤمية – بل يمكن للمرء وصفها باليأس- التي كلت بطانة التحريفية البابلوية وجدت التعبير التام عنها في نظرية "الثورة- الحرب"التي تم صياغتها قبلالمؤتمر العالمي الثالث عام 1951. أعلنت الوثيقة البابلوية : " بالنسبة لحركتنا يتكون الواقع الاجتماعي الموضوعي بشكل أساسي من النظام الرأسمالي ومن العالم الستاليني" . إن النضال في سبيل الاشتراكية سيتخذ شكل حرب بين هذين المعسكرين التي سيخرج منها النظام الستاليني منتصراً. ومن تحت رماد حرب نووية حرارية سيقوم الستالينيون ببناء " دولة عمال مشوهة" – شبيهة بتلك القائمة حالياً في شرق أوروبا- ستستمر على مدى قرون .وفي هذا السيناريو الغريب لا وجود لدور مستقل للطبقة العاملة أو للأممية الرابعة حيث وجه كوادرها للدخول في الأحزاب الستالينية وتشكيل مجموعات ضغط يسارية. ولم يقتصر منظوره التصفويعلى الانضمام إلى الأحزاب الستالينية كما هو مشروح في الفصل الخامس عشر من هذا الكتاب:

"كان التلاؤم مع الستالينية سمة مركزية في الأفق الجديد للبابلوية لكن سيكون من الخطأ اعتبار هذا ميزتها الأساسية حيث كانت البابلوية ، وما تزال ميالة للتصفية على كل الخط وعلى هذا الأساس جحدت هيمنة البروليتاريا في الثورة الاشتراكية ورفضتالوجود المستقل الأصيل للأممية الرابعة بوصفها التعبير الواعي عن الدور التاريخي للطبقة العاملة . إن نظرية الثورة عن طريق الحرب توفر الإعداد الأولي لصياغة الأطروحة التصفوية المركزيةالتي نصت أنه على كل الأحزاب التروتسكية أن تذوب في أي تيارات سياسية تهيمن على الحركات العاملة أوالجماهير الشعبيةفي البلدان التي تنشط فيها فروع الأممية الرابعة. "

إن الانشقاق الذي حدث في نوفمبر 1953 يندرج ضمن إطار أهم الأحداث في تاريخ الحركة الاشتراكية.كان الموضوع يتعلق كحد أدنى بمصير الحركة التروتسكية وهي التعبير الواعي والمنظم سياسياً عن كل موروث النضال في سبيل الاشتراكية.وفي أشد اللحظات الحرجة في تاريخ الأممية الرابعة أعاد "الخطاب المفتوح"الذي حرره كانون طرح المبادئ التأسيسية للتروتسكية بعد صياغتها على أساس الدروس الإستراتيجية للثورة والثورة المضادة خلال القرن العشرين. كان تصفية الأممية الرابعة سيعني نهاية المعارضة الماركسية المنظمة سياسياً ضد الإمبريالية ووكلاءها السياسيين من منظمات وأحزاب ستالينية و اشتراكية ديمقراطية وقومية بورجوازية . ليست هذه فرضية قائمة على التخمين بل هي واقع تاريخي يمكن التأكد من صحته من خلال تفحص النتائج الكارثية للبابلوية في العديد من البلدان بل وفي كل قارة جرى فيها تطبيق سياستها التصفوية .

فيما يتعلق بمصير الاتحاد السوفيتي لكن يجب تذكر أن قادة البابلوية تبنوا نظرية الإصلاح الذاتي البيروقراطي في الفترة التي سبقت نهاية النظام الستاليني. وفي حين حذرت اللجنة الدولية منذ عام 1986 من أن صعود ميخائيل غورباتشيف إلى السلطة وتطبيق إصلاحاته في إطار البريسترويكا دشنت مرحلة الاستعدادات النهائية لإعادة الرأسمالية في الاتحاد السوفيتي، في حين هلل البابلويون لتلك السياسات الرجعية بوصفها خطوة حاسمة على طريق الاشتراكية. ففي عام 1988 وصف إرنست مانديل غورباتشيف بالزعيم السياسي الذي "يدعو للإعجاب". رفض مانديل التحذيرات من أن سياسات غورباتشيف ستقود إلى إعادة الرأسمالية على أنها عبثية وأعلن:" أن الستالينية والبريجنيفية وصلت بكل تأكيد إلى مرحلتها النهائية. ويمكن للشعب السوفيتي و للبروليتاريا العالمية ولكل الإنسانية تنفس الصعداء. " [41]

من جهته كان تلميذ مانديل ، البابلوي البريطاني طارق علي أكثر جموحاً في حماسه لسياسة نظام غورباتشيف ، ففي كتابه "الثورة من الأعلى: إلى اين يمضي الاتحاد السوفيتي؟"المنشور عام 1988جمع علي العديد من سمات البابلوية مثل الدعم غير المحدود للبيروقراطية الستالينية ، والانتهازية السياسية الفظة ، والعجز التام عن فهم الواقع السياسي . وفي مقدمته أوجز علي أطروحة الكتاب :

"" الثورة من الأعلى"يطرح أن غورباتشيف يمثل تياراً إصلاحياً تقدمياً ضمن النخبة السوفيتية ، كما أن برنامجه ، في حال نجاحه، سيمثل مكسباً هائلاً للاشتراكيين وللديمقراطيين على مستوى العالمي.في واقع الأمر فإن نطاق عمل جورباتشوفيذكر برئيس أمريكي من القرن التاسع عشر هو أبرهام لينكولن. " [42]

يبدو أن انشغال الكاتب برفع غورباتشيف إلى المقام السياسي الذي حظي به أبراهام لينكولن لم يعبر كفاية عن كل إخلاصه للستالينية لذا أهدى طارق علي كتابه إلى "بوريس يلتسين العضو القيادي في الحزب الشيوعي السوفيتي الذي حولته شجاعته السياسية إلى رمز مهم في سائر أرجاء البلد ." [43]

إن دعم قادة البابلوية ، الضمني، للمهندسين الرئيسيين لعملية التدمير النهائي للاتحاد السوفيتي – ميخائيل غورباتشيف و بوريس يلتسين- يقدم تأكيداً تاريخياً غير قابل للدحض على الطابع الرجعي للبابلوية، وعلى شرعية النضال ، الذي استمر على مدى عقود من السنين ، الذي خاضته اللجنة الدولية ضد عميل الإمبريالية الخبيث البورجوازي الصغير هذا.

***

منذ نشر "الموروث الذي ندافع عنه"عام 1988 شهد العالم تغيرات عميقة اقتصادية وتقنية واجتماعية إلى جانب التطورات السياسية المتفجرة.

إن تفكيك الأنظمة الستالينية في أوروبا الشرقية وفي الاتحاد السوفيتي بين 1989-1991 فتد نظرية ومنظورات الحركتين التحريفيتين المناهضتين للتروتسكية التي تناولناها في هذا الكتاب. أكد بالبلو وماندل أن أنظمة أوروبا الشرقية كانت النموذج الأولي لـ " دولة عمال مشوهة " سيستمر طوال قرون لكنه في الواقع بالكاد صمدت أربعة عقود. إن شاختمان وغيره من منظري " البيروقراطية التجميعية " و" رأسمالية الدولة " ادعى أن نمط جديد من الطبقة الحاكمة تجسد في الاتحاد السوفيتي ، لكن عام 1991 قامت هذه الطبقة الحاكمة بتصفية نفسها ، وفككت علاقات الملكية المؤممة وأعادت الملكية الخاصة الرأسمالية لوسائل الإنتاج.إن أعضاء البيروقراطية السوفيتية السابقة من أصحاب أفضل المواقع ومن أشدهم قسوة وأعضاء النخبة خرجوا من هذه العملية الإجرامية بوصفهم طغمة رأسمالية روسية جديدة.

لم يحمل انهيار الأنظمة الستالينية حقبة جديدة من السلام ، ناهيك عن " نهاية التاريخ " التي بشرت به نزعة الانتصار الإمبريالية في حقبة ما بعد السوفيت . إن القول بأن العالم في " أزمات" لا يعبر عن الواقع حيث أن " الفوضى" هي الوصف الأكثر ملائمة . لقد شهد ربع القرن المنصرم حرباً لا نهاية لها.

وتشهد أجزاء متوسعة باستمرار من الكوكب صراعات إمبريالية جيو-سياسية عارمة فالولايات المتحدة التي أحبطت آمالها بحكم الكوكب بعد عام 1991 مضطرة لتصعيد عملياتها العسكرية بتهور متصاعد دون حدود لكن القواعد الأساسية للنظام العالمي الإمبريالي الذي برز من كارثة الحرب العالمية الثانية يتداعى . وحتى في خضم صراعات واشنطن المحتدمة مع روسيا والصين نجد أن العلاقات السياسية بين الولايات المتحدة وأهم " شركاءها " الإمبرياليين ، وبشكل خاص ألمانيا ، تتدهور بسرعة.

أما على الجبهة الاقتصادية فإن النظام الرأسمالي يترنح من أزمة إلى أزمة حيث لم يتم تجاوز تداعيات الانهيار الاقتصادي الذي حصل عام 2008. لقد كان الارثالرئيسي لذلك الانهيار تفاقم حدة التفاوت الاجتماعي الذي بلغ مستويات لا يمكن تحملها في إطار الديمقراطية. إن تمركز الثروة الهائل بين أيدي نخبة صغيرة هو ظاهرة عالمية يكمن وراءها تصاعد عدم الاستقرار السياسي للحكومات البورجوازية.كما تشتد حدة الصراع الطبقي في كل أنحاء العالم حيث أن عولمة الإنتاج الرأسمالي والمضاربات المالية تفرض على الطبقة العاملة العالمية خوض نضال مشترك.

إن الظروف الموضوعية توفر دافع لتوسع هائل في الصراع الطبقي الثوري، لكن يجب ترجمة هذا الدافع الموضوعي إلى فعل سياسي واع وهذا يطرح المسألة المهمة حول قيادة الطبقة العاملة .فعلى الرغم من الأزمة الهائلة في النظام الرأسمالي الشامل و الفوضى السياسية العامةفي أعلى مستويات البورجوازية فإن جهود الطبقة العاملة للمضي قدماً ما تزال معرقلة من قبل الأحزاب والمنظمات التي تستخدم نفوذها لاحتواء حركتها وحرفها عن الاتجاه الصحيح.

إن تجارب العقدين الماضيين قد تركت آثارها في وعي الجماهير . لقد تم الاعتراف على نطاق واسع بإفلاس الأحزاب " الاشتراكية " الرسمية لكن بما أن الجماهير تتحول إلى منظمات جديدة وعدت بمقاربة أكثر راديكالية للمشاكل الاجتماعية كما هو حال سيريزا في اليونان ، فيتم كشف خواء وعودهابسرعة.و بعد بضعة أشهر فقط ، جاء سيريزا إلى السلطة عبر موجة احتجاجات جماهيرية ضد الاتحاد الأوروبي، لتتنكر بعدها لكل التعهدات التي قدمتها لأنصارها .ولن يكون الوضع مختلفاً في حال وصول بوديموس في إسبانيا ، أو كوربين في بريطانيا أو ساندرز في الولايات المتحدة إلى السلطة.

إن حل أزمة القيادة الثورية يظل المهمة التاريخية المركزية للطبقة العاملة. ولا يمكن أن يتصدى لهذه المهمة الهائلة سوى حزب أممي استوعب كل التجربة التاريخية للأممية الرابعة التي بلغت الآن ثمانين عام . إن اللجنة الدولية للأممية الرابعة هي الوحيدة القادرة على تقديم حساب متماسك ومتناغم سياسياًعن تاريخها بأسره، كما أن ممارستها متجذرة في الدفاع الواعي عن الموروث النظري والسياسي لنضال ليون تروتسكي في سبيل ثورة اشتراكية عالمية .

آمل أن تساهم إعادة طباعة كتاب "الموروث الذي ندافع عنه" في التعليم الثوري لجيل جديد من العمال ومن الشباب، الذين جنحوا نحو مواقف راديكالية نتيجة الأزمة الموضوعية للرأسمالية في تاريخ وبرنامج وتقاليد الأممية الرابعة.

دافيد نورث

ديترويت

20يونيو 2018

[1] ثمة تحليل مفصل للانحدار الانتهازي للفرع البريطاني تحت عنوان : كيف خان حزب العمال الثوري التروتسكية 1973-1985 نشرته الأممية الرابعة ، المجلد 13 رقم 1. صيف 1986. كما أن كل وثائق الانشقاق داخل حزب العمال الثوري متاحة في عدد خريف 1986 من نشرة الأممية الرابعة ( المجلد 13، رقم 2).

[2] انظر الصفحتين 231-232 من الكتاب

[3] إن وثائق رابطة العمال نشرت في كتاب دفاع اللجنة الدولية للأممية الرابعة عن التروتسكية 1982-1986 ، المجلد 13، رقم 2 ، خريف 1986 .

[4] Karl Marx and Frederick Engels, Collected Works, Vol. 26 (Moscow: Progress Publishers, 1990), p. 389.

[5] Karl Marx and Frederick Engels, Collected Works, Vol. 26 (Moscow: Progress Publishers, 1990), p. 389

[6] Leon Trotsky, “A Letter to James P. Cannon,” September 12, 1939, In Defense of Marxism (London: New Park Publications, 1971), p. 1.

[7] Ibid., pp. 1–2

[8] “The USSR in War,” In Defense of Marxism, p. 15

[9] James Burnham and Max Shachtman, “Intellectuals in Retreat,” The New International, Vol. 5, no. 1, January 1939. Available at www.marxists.org/history/etol/writers/burnham/1939/intellectuals/index.htm

[10] Trotsky, In Defense of Marxism, pp. 257–58.[11] Ibid., p. 261.

[12] I am referencing the phrase: “Not every exasperated petty bourgeois could have become Hitler, but a particle of Hitler is lodged in every exasperated petty bourgeois.” [Leon Trotsky, “What is National Socialism?,” The Struggle Against Fascism in Germany (New York: Pathfinder Press, 1971), p. 523.

[13] “The National Question in Europe: Three Theses on the European Situation and the Political Tasks,” dated October 19, 1941, published in the December 1942 edition of Fourth International, pp. 370–372. Available at www.marxists.org/history/etol/newspape/fi/vol03/no12/3theses.htm

[14] Ibid.

[15] “Capitalist Barbarism or Socialism,” The New International (Vol. 10, no. 10), October 1944 (emphasis in the original). Available at www.marxists.org/history/etol/newspape/ni/vol10/no10/ikd.htm

[16] Ibid.

[17] Ibid., (emphasis in the original).

[18] Ibid., (emphasis in the original).

[19] Ibid., (emphasis in the original).

[20] Ibid., (emphasis in the original).

[21] Leon Trotsky, The Permanent Revolution (London: New Park Publications, 1962), p. 152, (emphasis in the original).

[22] Marcel Van Der Linden, “The Prehistory of Post-Society Anarchism: Josef Weber and the Movement for a Democracy of Content (1947–1964),” Anarchist Studies, 9 (2001), p. 131.

[23] Felix Morrow, “The Class Meaning of the Soviet Victories,” Fourth International, Vol. 4, no. 3, March 1943, available at www.marxists.org/archive/morrow-felix/1943/03/soviet.htm.

[24] SWP Internal Bulletin, Vol. 8, no. 8, July 1946, p. 28.

[25] Cited in Benn Steil, The Marshall Plan: Dawn of the Cold War (New York: Simon & Schuster), p. 26.

[26] Ibid. pp 18-19.

[27] Ibid. pp 19-20.

[28] Elena Agarossi and Victor Zaslavsky, Stalin and Togliatti: Italy and the Origins of the Cold War (Washington, D.C.: Woodrow Wilson Center Press, 2011), p. 95.

[29] Paul Ginsborg, A History of Contemporary Italy: 1943 – 80 (Penguin Books Ltd. Kindle Edition), p.43.

[30] Irwin M. Wall, The United States and the Making of Postwar France, 1945– 47 (Cambridge, Cambridge University Press, 1991), p. 97.

[31] Daniel Gaido and Velia Luparello, “Strategy and Tactics in a Revolutionary Period: U.S. Trotskyism and the European Revolution, 1943–1946,” Science & Society, Vol. 78, no. 4, October 2014, p. 504.

[32] Ibid. p .503.

[33] Geoff Hodgson, Trotsky and Fatalistic Marxism, (Nottingham: Spokesman Books, 1975), p. 38.

[34] Peter Jenkins, Where Trotskyism got lost: The restoration of European democracy after the Second World War, (Nottingham: Spokesman Books, 1977). Available at www.marxists.org/history/etol/document/fi/1938-1949/ww/essay01.htm

[35] Gaido and Luparello, p. 508.

[36] Trotsky, In Defense of Marxism, p. 131

[37] Joseph Weber, Dinge der Zeit, Kritische Beiträge zu Kultur und Politik (Hamburg: Argument, 1995), p. 21, (translation by David North.

[38] Murray Bookchin, Post-Scarcity Anarchism, (Montreal: Black Rose Books, 1986), p. 32.

[39] Joris Leverink, “Murray Bookchin and the Kurdish Resistance,” ROAR magazine, August 9, 2015, available at https://roarmag.org/essays/bookchin-kurdish-struggle-ocalan-rojava/

[40] Gaido and Luparello, p. 508.

[41] Ernest Mandel, Beyond Perestroika (London: Verso Books, 1989), p. xvi.

[42] Tariq Ali, Revolution From Above: Where is the Soviet Union Going? (Surry Hills, Australia: Hutchinson, 1988). p. xiii.

[43] Ibid.