الأزمة الشاملة لحكم الرأسمالية واستراتيجية ثورة اشتراكية

١٦ كانون الأول ديسمبر ٢٠١٨

في الوثيقة التأسيسية للأممية الرابعة – احتضار الرأسمالية ومهام الأممية الرابعة- التي كتبت وتم تبنيها عام 1938 لخص ليون تروتسكي سمات المرحلة كما عبرت عنها الأزمة السياسية للحكم الطبقي في كل الدول الرأسمالية الكبرى:

"البورجوازية في حد ذاتها لا ترى طريق للخلاص. وفي البلدان التي أجبرت فعلياً على المراهنة على ورقة الفاشية يحدث الآن إنزلاق سريع مع عيون مغلقة نحو الكارثة العسكرية والاقتصادية في البلاد التي حظيت بالأفضلية على المستوى التاريخي ونعني البلدان حيث ما تزال البورجوازية قادرة ، لفترة من الزمن، على السماح لنفسها بترف الديمقراطية على حساب ما هو متراكم من الثروات الوطنية ( بريطانيا العظمى، فرنسا، الولايات المتحدة إلخ..) وتعاني كل الأحزاب التقليدية من حالة من الحيرة التي يختلف قليلا فقط عن شلل الإرادة."

يمكن استخدام هذا المقطع ، دون الكثير من التعديل، لوصف وضع العالم مع اقتراب خاتمة عام 2018.

ففي بريطانيا نجد أن رئيسة الحكومة تيريزا ماي هي في الحقيقة جثة سياسية و بالكاد تمكنت ، في الأسبوع الماضي، من تجاوز تصويت على الثقة داخل حزبها المحافظ. وما تزال الطبقة الحاكمة البريطانية متصدعة نتيجة الانقسامات الداخلية حول البريكسيت بعد عامين ونصف من الاستفتاء الذي أيد الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. وتأمل ماي بالتوصل إلى بعض التدابير مع الاتحاد الأوروبي من أجل استرضاء معارضيها داخل حزب المحافظ في حين يسعى حزب العمال بزعامة جيريمي كوربين إلى تحاشي أي إجراءات يمكن أن تزيد من قلقلة وضع الحكومة وأن تشجع المعارضة الشعبية .

وفي فرنسا ربما كان مرشح البنوك الرئيس إيمانويل ماكرون أكثرشخص مكروه في كل البلد بعد انخفاض شعبيته إلى حد 20% مقارنة بـ 29 % العام السابق. وهناك دعم شعبي هائل لمطالب محتجي " السترات الصفراء" الذين رد عليهم ماكرون مرة أخرى خلال عطلة نهاية الأسبوع بعمليات اعتقال جماعية وبنشر عشرات آلاف شرطة مكافحة الشغب في شوارع المدن الفرنسية.

وفي ألمانيا استقالت المستشارة أنجيلا ميركل من قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي ترأسته طوال 18 عام لكنها تنوي البقاء مستشارة حتى 2021. ففي ظل حكومة التحالف الكبير بين الاتحاد الديمقراطي المسيحي/ الاتحاد الاجتماعي المسيحي و الحزب الاشتراكي الديمقراطي رعت الطبقة الحاكمة الألمانية اليمين الأقصى وجعلت من حزب البديل الألماني الفاشي الحزب الرسمي للمعارضة وحولته إلى قوة سياسية مهيمنة في البلاد، وتحت زعامة ميركل تطورت ألمانيا لتصبح الدولة الأقل مساواة في أوروبا في حين تنعش النخبة الحاكمة أجندة عسكرية تتضمن صراعات عدوانية مع دول كبرى.

وفي أستراليا ثمة مخاطر تهدد حكومة التحالف الليبرالي – الوطني الحاكم حيث نجد حرباً أهلية داخل الحزب الليبرالي نتيجة للانقلاب السياسي الذي أطاح برئيس الحكومة مالكولم ترنبول في أغسطس واستبداله بسكوت موريسون رئيس الحكومة السابع خلال فترة بالكاد تتجاوز عقد من السنين.

ثم لدينا سيريلانكا التي شهدت مجموعة من الأحداث السياسية خلال الأسابيع السبعة المنصرمة ويتضمن هذا قيام الرئيسة مايثريبالا سيريزينا بإقالة رئيس الوزراء رانيل ويكريميزينغه بطريقة غير قانونية وتكليف الرئيسة السابقة ماهندا راجاباكسا بالحلول محله وحل البرلمان وهو أمر قضت المحكمة العليا بعدم دستوريته وأمس أعادت الرئيسة تكليف ويكريميزنغه ، و يجب ألا يسنتج أحد أن هذا يمثل نهاية الأزمة السياسية فبعد وقت قصير من قيام رئيس الوزراء ، الذي سبق إقالته ،بأداء القسم اتهمته الرئيسة بالفساد وبأنه خطر على الأمة.

لكن الأزمة السياسية الأشد هي في الولايات المتحدة مركز الإمبريالية العالمية حيث يشتد الحصار على إدارة ترامب التي جهدت خلال الأسبوع الماضي لتسمية رئيس جديد لفريق الموظفين ليحل محل الجنرال المقال جون كيلي . ويواجه ترامب مجموعة من التحقيقات الجرمية والمدنية في شركاته الخاصة وفي أعماله الخيرية وفي لجنة تنصيبه. كما أن المحامي السابق للرئيس مايكل كوهين حكم في الأسبوع الماضي بالسجن لمدة ثلاث سنوات في حين أن الشركة الأم لمؤسسة المستفسر الوطني و رئيسها التنفيذي دعمت إدعاءات كوهين بأن ترامب متورط شخصياً في خرق القوانين المالية للحملة خلال انتخابات 2016.

أما الحزب الديمقراطي الذي يقوم بمناورات تزداد حدة في انقلاب القصر ضد ترامب فهو مرعوب حتى الموت من القيام بأي شيء يمكن أن يثير الغضب الشعبي. كما أن الفئات المهيمنة من النخبة الحاكمة تراقب بتوجس المهام التي تواجهها – التي تضمن الصراع بين القوى العظمى والتعامل مع قلاقل اجتماعية متصاعدة- وترى في إدارة ترامب حكومة عاجزة عن التصدي للتحدي. " على كل واحد منا ان يكافح ضد تدمير القواعد الاساسية " اشتكى محرر عمود في صحيفة نيويورك تايمز فرانك بروني يوم الأحد وتابع "ويصبح غير مستقر نتيجة هذا الهجوم على الحقيقة وينتظر ما يمكن أن يحدث لاحقاً ويعلم أن تداعياته يمكن أن تكون أشد واطول مدى بالنسبة لنا أكثر مما يمكن أن يتعرض له ترامب".

وفي الواقع إن أي زعزعة لترامب أو أي أزمة دستورية يمكن أن تشجع ما هو أكثر إثارة للخوف ، أي تدخل الطبقة العاملة وبالتالي فإن تأرجح الديمقراطيين بين التهديد بعزل ترامب والمطالبة بسياسة أكثر عدوانية ضد روسيا من جهة وبين تسول ترامب للعمل معهم في تطبيق أجندة مسعى النزعة العسكرية من جهة أخرى.

إن واقع أن الأزمة تشمل العالم ،حيث يمكن إضافة العديد من البلدان إلى القائمة ، يتصف بدلالة موضوعية كبيرة فمهما تكن الخصائص القومية لكن زعزعة استقرار المؤسسات السياسية في كل بلد يتحرك تحت تأثير نفس الأزمة التي يعاني منها النظام الرأسمالي المعولم.

فبعد عشر سنوات من الانهيار المالي عام 2008 نجد إشارات على تجدد الأزمة الاقتصادية حيث يتباطأ الاقتصاد الصيني بشكل ملحوظ وتعاني أوروبا من الركود كما تواجه الولايات المتحدة احتمال الركود في العام القادم. ونجد أن الطبقة الحاكمة تلجأ من جديد إلى سياسات القومية الاقتصادية والحرب التجارية وينطبق هذا بشكل خاص على الطبقة الحاكمة الأمريكية. ولا يقتصر أثر هذه الإجراءات على عدم تقديم طريق للخروج من هذا المأزق الاقتصادي بل إنها تغذي صراعات جيوسياسية يمكن أن تحمل خطر حرب عالمية.

ويأتي في المقام الأول نمو انعدام المساواة الاجتماعية ، وتذمر الجماهير و الصراع الطبقي المفتوح المتصاعد وتسعى الطبقة الحاكمة لإيجاد طريقة ما لوقف موجة الأحداث التي لا مفر منها إما عن طريق فرض الرقابة على الإنترنت ، التي يتمثل هدفها الأساسي في التعامل بمزيد من البراعة مع المعارضة الاجتماعية، أو من خلال القمع والعنف بما في ذلك دعم الحركات الفاشية والقومية المتطرفة. إن الميل المسعور لإعادة التسلح والاستعداد لحروب أوسع ، علاوة على ذلك ، هو إلى حد بعيد نتيجة الرغبة في تفريغ التوترات الاجتماعية الداخلية باتجاه الخارج.

عشية نهاية العام الذي شهد تعابير هامة عن نضال الطبقة العاملة في جميع أنحاء العالم ، كانت هناك احتجاجات السترات الصفراء في فرنسا، وإضراب مئات آلاف عمال مزارع الشاي في سيريلانكا، وتظاهر عشرات آلاف المعلمين في لوس أنجلس ولاية كاليفورنيا، وغيرها من حالات التعبير عن الغضب الاجتماعي.

إن نضالات العمال تتطور بالتعارض مع الأحزاب السياسية والنقابات القائمة. هكذا كان الحال في فرنسا حيث تطورت احتجاجات السترات الصفراء عبر وسائل التواصل الاجتماعي وخارج رقابة النقابات. وفي سيريلانكا استقبل العمال دعوة مؤتمر العمال السيلاني للعودة إلى العمل الأسبوع الماضي بالاحتجاجات وباستمرار الإضراب قبل أن يتم وضع حد له في 14 ديسمبر.

إن القضية المصيرية بالنسبة للطبقة العاملة تتمثل في تطوير منظمات للنضال خاصة بها و قيادة سياسية ويجب عليها عدم قنونة نفسها وراء أي جناح من الطبقة الحاكمة بل يجب عليها الاحتفاظ بالقوة السياسية بين يديها.

وتم ، خلال الأسبوع الماضي ، تحقيق خطوات متقدمة هامة من خلال إنشاء لجنة توجيهية للجان عمال قطاع صناعة السيارات وفئات أخرى من الطبقة العاملة في الولايات المتحدة وإقامة لجنة عمل لتنسيق وتنظيم نضال عمال مزارع الشاي في سيريلانكا وفي الحالتين كان بروز منظمات مستقلة للطبقة العاملة نتيجة لنضال قادته اللجنة الدولية للأممية الرابعة والفروع الوطنية لأحزاب المساواة الاشتراكية.

لقد عبر تروتسكي، من خلال تأسيس الأممية الرابعة ، عن النتائج التي خلص إليها من تحليل الظروف والتجارب السياسية في الفترة السابقة وتوصل إلى " أن أزمة النوع البشري تعود إلى أزمة القيادة الثورية." وهذا هو الحال اليوم .ففي الرد على الأزمة الشاملة للرأسمالية يجب على الطبقة العاملة طرح استراتيجيتها الخاصة للثورة الاشتراكية والزعامة الفعلية لهذه الحركة العالمية هي اللجنة الدولية للأممية الرابعة.

بقلم جوزيف كيشور