الحرب الإمبريالية ، انتفاضة الطبقة العاملة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ، واستراتيجية الثورة الدائمة

يقلم كيث جونز
٩ أيار مايو ٢٠١٩

في يوم السبت الواقع في 4 مايو نظمت اللجنة الدولية للأممية الرابعة الملتقى الافتراضي الدولي للاحتفال بيوم الأول من مايو وهو الملتقى السادس الذي تنظمه اللجنة الدولية وهي الحركة التروتسكية العالمية . تضمن الملتقى خطابات حول مختلف مظاهر الأزمة الرأسمالية العالمية وحول نضالات الطبقة العاملة الدولية ألقاها 12 عضو قيادي من الحزب العالمي ومن فروعه ومن المنظمات المناصرة له حول العالم.

وسيقوم موقع الاشتراكية الدولية بنشر الكلمات على التوالي وهنا تجدون نص الخطاب الذي ألقته كيث جونز السكرتيرة الوطنية لحزب المساواة الاشتراكية في كندا . ويوم الإثنين نشر الموقع الخطاب الافتتاحي للملتقى الذي ألقاه دافيد نورث رئيس هيئة تحرير موقع الاشتراكية العالمية ورئيس حزب المساواة في الولايات المتحدة.

***

ثمة نقطة مركزية في منظور اللجنة الدولية للأممية الرابعة وفي استراتيجيتها الثورية هي الاعتراف بأن الانهيار الرأسمالي الشامل المنهجي الذي يدفع القوى الإمبريالية نحو العدوان والحرب هو بالتحديد الذي يغذي ثورة اجتماعية.

إن هذه السيرورة المتداخلة صارت ملموسة في الشرق الأوسط وفي شمال أفريقيا.

لا يوجد منطقة أخرى في العالم أكثر من الشرق الأوسط تم تدميرها بحروب حرضت عليها وقادتها إمبريالية الولايات المتحدة منذ أن أعلن جورج دبليو بوش لأول مرة أن واشنطن تعمل على إقرار "نظام عالمي جديد"في أعقاب تفكيك الاتحاد السوفيتي من قبل البيروقراطية الستالينية.

هذا ليس وقت عرض الفظائع التي ارتكبتها إمبريالية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وفي شمال أفريقيا خلال العقود الثلاثة الأخيرة من السنين باسم " حقوق الإنسان " و "الحرب على الإرهاب". لكن نظراً لرغبة واشنطن في الانتقام من جوليان آسانج ومن شيليسا مانينغ فإنه من المناسب ملاحظة أن الناس في الشرق الأوسط ، وفي العراق في المقام الأول، كانوا ضحايا العديد من أهم وأفظع جرائم البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية التي عرضها موقع ويكيليكس.

ومن خلال عدوانها وحروبها التي لا تنتهي فإن إمبريالية الولايات المتحدة مزقت مجتمعات مركبة ودمرت دول بأكملها في الشرق الأوسط وفي شمال أفريقيا مثل العراق وسورية وليبيا واليمن، ويمكنني ذكر المزيد، فهي تسببت في مقتل الملايين وتشريد عشرات الملايين وحرمانهم من أوطانهم . إن إنفاق كمية هائلة من " الدم والكنز" ، وفق تعبير أوباما، لفرض هيمنة الولايات المتحدة الجامحة على المناطق الرئيسية لتصدير النفط في العالم قد ترافق بدمار اجتماعي في أمريكا.

أجل فهذه الحروب فشلت في إيقاف تآكل اقتصاد الولايات المتحدة وقوتها الشاملة.

ومع ذلك فإن الولايات المتحدة التي تركز في داخلها كل انحدار ، وطفيلية وإجرام نظام سياسي تجاوزه الزمن عاجزة عن مساعدة نفسها. وهي تحضر لحرب جديدة وموسعة في الشرق الأوسط على الرغم من أنه من المعروف جيداً أن الطلقة الطائشة التالية تهدد بإشعال حرب إقليمية بل وحتى عالمية .

إن إمبريالية الولايات المتحدة تعزز حملتها ، عبر عقوبات أحادية وغير قانونية ، لتدمير الاقتصاد الإيراني والتعجيل " بتغيير النظام" وهي تزود العربية السعودية بالأسلحة وتقدم دعم لوجستي وعسكري هام لحملة الرياض على اليمن ، وهي تؤجج العدوان الإسرئيلي وتضفي اعتراف شرعي على ضم مرتفعات الجولان كما تستمر قوات الولايات المتحدة العسكرية بالسيطرة على مساحات واسعة من شرق سورية بما في ذلك حقول النفط الرئيسية بهدف خنق سورية اقتصادياً والتحضير لعدوان صريح.

كما أن القوى الإمبريالية الأوروبية لا تقل افتراساً فهي بدورها ترعى عائلة سعود وديكتاتورية السيسي الدموية في مصر وهي أيضاً تدافع إلى أقصى درجة عن القمع الفظ الذي تمارسه الدولة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني. إن خلافاتها مع واشنطن ،حيث أيد الأوروبيون تدخل عسكري أشد عدوانية في سورية في حين عارضوا حرب واشنطن الاقتصادية ضد إيران، لا تعدو أن تكون خلافات على النهب بين عصابات متنافسة .

لكن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تجتاحهما حروب إمبريالية عدوانية وحسب بل أن تلك المناطق تتشنج وتهتز نتيجة لانبعاث الصراع الطبقي الشامل . والطبقة العاملة تسعى جاهدة لتأكيد مصالحها في منطقة تتسم بقدر ضخم من اللامساواة الاجتماعية وبعنف حكومي فظ وهذا صحيح فيما يتعلق بإسرائيل بقدر ما هو صحيح بالنسبة لإيران وللعربية السعودية ولمصر. كانت حرب الناتو في ليبيا 2011 ونشر جماعات الإسلاميين المرتبطين بالقاعدة برعاية الولايات المتحدة للقتال ضد الحكومة السورية استجابة الإمبريالية ، أو عنصر مفتاحي في استجابتها للربيع العربي. ففي مواجهة بروز الصراع الطبقي الأولي الذي ولدته أزمة 2008 الاقتصادية الشاملة قادت الطبقة العاملة انتفاضات وفوق كل شيء طردت زبوني الإمبريالية من السلطة ونقصد حسني مبارك في مصر وبن علي في تونس.

ومنذ 2018 ضربت المنطقة موجة جديدة من النضال الطبقي. وتضمن هذا إضرابات واحتجاجات جماهيرية في إيران ، وإضراب القطاع العام في إسرائيل ، وإضرابات معلمين ضخمة في تونس والمغرب ، وشهور من الاحتجاجات الجماهيرية في السودان دفعت الجيش ، بهدف تحاشي ثورة ، للإطاحة بالبشير الذي استولى بنفسه على السلطة عام 1989 إثر انقلاب عسكري.

وتتصف التطورات في الجزائر بدلالة خاصة حيث حاول نظام مرتشين مدعوم من الإمبريالية نهب على مدى عقود ثروات البلاد القيام بمحاولة تجميلية من خلال تنحي الرئيس طويل الأجل عبد اللطيف بوتفليقة في مواجهة انتفاضة جماهيرية قادتها الطبقة العاملة.

أدت انتفاضة الطبقة العاملة في الجزائر وعبر المنطقة إلى طرح أسئلة جوهرية حول المنظور الثوري وحول الاستراتيجية وقبل كل شيء حول ضرورة تسليح الطبقة العاملة ببرنامج الثورة المستمرة. إن التطلعات الديمقراطية والاجتماعية للجماهير ، بدءاً من التخلص من الملاكين العقاريين وإقامة مساواة أصيلة بين صفوف الشعب من كل الإثنيات والأديان، والتحرر من الإمبريالية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال ثورة اشتراكية. ويجب على الطبقة العاملة في كل بلد صياغة استقلالها السياسي وحشد الكادحين خلفها في الصراع ضد الإمبريالية وضد كل شرائح البورجوازية الوطنية في سبيل سلطة العمال وإلى توحيد وتنسيق النضال مع نضالات العمال في سائر أرجاء المنطقة وحول العالم.

وهنا تبدو دروس ثورة 2011 في مصر محورية. كانت الطبقة العاملة هي التي أخرجت مبارك من السلطة لكن تم لا حقاً تغيير مسار الثورة نظراً لأن قوىً مثل حزب العمال الثوري اليساري الزائف عملت بشكل منهجي على ربط الطبقة العاملة بالبورجوازية المصرية وبدولتها بحجة دعم" انتقال ديمقراطي" يقوده بالأساس الجناح التقدمي المزعوم داخل الجيش. وبعدها جاء دعمها لمرسي وجماعته من الإخوان المسلمين لينتهي الأمر بدعمها للمجموعة باسم التمرد ودعم السيسي بوصفه ديمقراطياً ممهداً بذلك الطريق لعودة الجيش إلى السلطة.

وبشكل مماثل تسعى مجموعات اليسار الزائف اليوم في الجزائر مثل حزب العمال الاشتراكي ، بابلوي النزعة ، لخطف الثورة وإلحاق الطبقة العاملة بالبورجوازية وبالإمبريالية من خلال إضفاء صفات البطولة على الدعوة لجمعية تأسيسية التي هي عملية إعادة تأهيل لشخصيات النظام القائم تحت غطاء وعود دستورية وردية.

وبهدف منع الوقوع في الفخ يجب على العمال الأكثر وعياً والشباب النضال لبناء لجان عمل عمالية مستقلة عن السلطة وعن حلفائها في النقابات بهدف تنسيق التصدي لقمع الجيش والشرطة ولمواجهة التقشف ، بحيث تكون أجهزة السلطة في المستقبل في دولة العمال وعليها أن تقوم قبل كل شيء ببناء حزب ماركسي ثوري يقود النضال في سبيل الاستقلال السياسي للطبقة العاملة وفي سبيل الاشتراكية.

وكثمة ثابتة نجد أن تلك القوى التي تطلب ، باسم الديمقراطية ، تبعية الطبقة العاملة الى البورجوازية وبالبورجوازية الصغيرة هي مرتبطة سياسياً ومادياً بالإمبريالية.

لنأخذ مثال تركيا حيث يناضل الرفاق في حزب المساواة الاشتراكية لبناء فرع للجنة الدولية للأممية الرابعة . في حين أن اليسار التركي الزائف يدعم الأحزاب الرأسمالية اليمينية المؤيدة للناتو وللاتحاد الأوروبي مثل حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي ، باسم الدفاع عن الديمقراطية في مواجهة نظام أردوغان الإسلامي الاستبدادي . وحزب الشعب هو حزب النخبة الرأسمالية الكمالية التقليدية التي شاركت في كل جرائمه بما في ذلك الانقلابات الدموية التي استهدفت الطبقة العاملة وكذلك 35 عام من حرب وحشية للبورجوازية التركية ضد الشعب الكردي .

أما حزب الشعوب الديمقراطي فهو الواجهة السياسية لحزب العمال الكردستاني الذي شن خلال العقد الثامن من القرن الماضي صراع مسلح باسم الاشتراكية لكنه منذ 1991 اتجه نحو الإمبريالية مثل أمثاله من الحركات القومية البورجوازية حول العالم . ففي عام 1991 دعم حزب العمال الكردستاني حرب الخليج كما دعم عام 2003 اجتياح العراق كما أن فرعه السوري ، قوات سورية الديمقراطية ، عملت خلال الأعوام الماضية بوصفها الطرف الرئيس نيابة عن واشنطن في الحرب بالوكالة في سورية.

إن معاناة شعب الشرق الأوسط خلال القرن الماضي تبرهن على أنه لا وجود لنضال في سبيل الديمقراطية خارج نطاق النضال ضد الإمبريالية وهي القاعدة الرئيسية للرجعية في الشرق الأوسط ، وعلى أنه لن يكون هناك نضال ضد الإمبريالية خارج تعبئة الطبقة العاملة في نطاق النضال في سبيل الاشتراكية .

وبالخلاصة فإن على العمال في سائر أرجاء العالم التصدي لهجوم الولايات المتحدة بهدف تغيير النظام في إيران وكذلك التصدي لكل الأطماع الإمبريالية في الشرق الأوسط وفي شمال أفريقيا و عليهم أن يدعموا بنشاط نضال إخوتهم وأخواتهم في الطبقة العاملة في المنطقة. ويتحمل عمال أمريكا الشمالية وأوروبا مسؤولية خاصة. في معارضتهم للحرب وتطوير الصراع الطبقي ، وسوف يساهمون في تحرير جماهير الشرق الأوسط ، بنفس الطريقة التي يقوم فيها العمال الجزائريون بالتمرد على النظام الوطني البرجوازي الفاسد في البلاد ، وهم يسددون ضربات ضد ماكرون وترامب.

إن هذة الوحدة الموضوعية للطبقة العاملة هي التي تحرك منظور اللجنة الدولية للأممية الرابعة ويجب أن تجد تعبيراً عنها في المرحلة القادمة من خلال تطوير فروع للأممية الرابعة في الشرق الأوسط وفي شمال أفريقيا.