العمال اللبنانيون يرفضون رفع الضرائب ، ويصرون على إستقالة الحكومة

By جين شاول
٢٢ تشرين الأول أكتوبر ٢٠١٩

بعد خمسة أيام من المظاهرات—الأكبر منذ عام 2005 —حول محاولات الحكومة وضع العبء الكامل لمطالب البنوك الدولية على الطبقة العاملة. طالب المتظاهرون باستقالة الحكومة ووضع حد للفساد الذي يعم كل جوانب الحياة في البلاد.

وقد وصلت الاحتجاجات ، التي توحد العمال عبر جميع الانتماءات الدينية على الرغم من الارتباك المتعمد الذي ولدته تقسيم لبنان لأغراض انتخابية إلى ثمانية عشر طائفة معترف بها رسميا ، إلى كل مدينه ومحافظه تقريبا. وهي جزء من تصاعد أوسع نطاقًا في الصراع الطبقي الذي يحدث في جميع أنحاء العالم ويشهد على أولوية الطبقية على العرق والجنسية والدين.

يوم السبت ، كانت هناك احتجاجات تعاطف من قبل اكثر من ألف وثلاثمائة شخص خارج السفارة اللبنانية في لندن ، مع احتجاجات مماثلة في عدة مدن في الولايات المتحدة في لوس أنجلوس ، سان فرانسيسكو ، بوسطن ، كليفلاند ، ديربورن ، هيوستن ، واشنطن العاصمة ، نيويورك ، كارولاينا الشمالية ، إلينوي ، مينيسوتا وفلوريدا.

وفي يوم الخميس ، خرج العمال إلى شوارع بيروت ، عاصمة لبنان ، و مدينة طرابلس الساحلية الشمالية ، وهي معقل حركة المستقبل لرئيس الوزراء سعد الحريري. وأغلقوا الطرق للمطالبة بنهاية اقتراح الحكومة بفرض رسوم بقيمة ستة دولارات شهريًا على واتساب والمكالمات الهاتفية الأخرى القائمة على الإنترنت. في بلد تعد فيه رسوم الهاتف من أعلى المعدلات في العالم ، كانت الضريبة المقترحة هي القشة الأخيرة.

كما في الاحتجاجات السابقة هذا العام ، تأجج الغضب الشعبي يغذيه المصاعب منذ فترة طويلة التي تشمل سبعة وثلاثين في المئة من بطالة الشباب ، وانخفاض الأجور ، وارتفاع تكاليف المعيشة ونقص الدولار. وقد تفاقم هذا بسبب الزيادات الضريبية التي فرضتها الحكومة وإجراءات التقشف ، وعدم تشغيل قطاعي الكهرباء والمياه ، والغضب من الفساد المتوطن في الحياة السياسية والاقتصادية في لبنان. وفقًا للبنك الدولي ، يعيش أكثر من ربع السكان تحت خط الفقر.

كل هذا لم يؤد إلا إلى إثراء النخبة المالية اللبنانية التي تستفيد من وضع البلد كملاذ ضريبي للأغنياء. فنسبة واحد في المائة فقط من الناس يملكون ثمانية وخمسين في المائة من ثروات لبنان ، في حين أن أفقرهم يملكون أقل من واحد في المائة. يعيش حالياً أكثر من أربعة عشر مليون لبناني خارج البلاد ، أي أكثر من ضعف عدد سكان البلاد الحالي البالغ ستة ملايين نسمة.

انتشرت الشرطة بشكل جماعي لقمع الاحتجاجات. واستخدموا القوة الهائلة ، بما في ذلك الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه ، لتفريق الحشود السلمية أساسا ، مما أدى إلى اشتباكات غاضبة بين المحتجين والشرطة. وأصيب أكثر من 60 شخصًا في اليوم الأول و 52 في اليوم الثاني. وتوفي اثنان من العمال السوريين نتيجة لدخان الحريق الذي شب بالقرب من المظاهرات. وألقي القبض على عشرات الأشخاص ، وأفرج عن معظمهم في اليوم التالي.

استخدام الحكومة لقوات الأمن ومعداتها لإخماد الاضطرابات المدنية—كما لوحظ على نطاق واسع—يتناقض تناقضا صارخا مع عدم قدرتها على مواجهة الأكثر من 100 حريقة التي اندلعت في جميع أنحاء البلاد قبل أيام قليلة. ثم اضطرت الحكومة إلى طلب المساعدة من الدول المجاورة لإخماد الحرائق. أما مروحيات مكافحة الحرائق الخاصة بها ، التي تم شراؤها بتكلفة قدرها 13.9£ مليون، كانت عاطلة عن العمل بسبب نقص الصيانة.

ففي مواجهة المعارضة الجماهيرية ، تراجعت الحكومة بسرعة—خوفًا من أن تؤدي الاحتجاجات إلى مزيد من زعزعة الاستقرار في البلاد ، التي يحدق اقتصادها في الهاوية. ولكن الاحتجاجات ، التي تعكس الغضب المكبوت والمظالم العميقة تصاعدت فقط.

وفي يوم الجمعة ، بدأ المتظاهرون في الدعوة ليس فقط لاستقالة الحريري بل لاستقالة الحكومة بأكملها ، قائلين انهم سيبقون في الشوارع حتى تستقيل الحكومة. هتفوا شعارات مثل "نحن شعب واحد متحد ضد الدولة. نريده ان يسقط "و" ثوره ، ثوره!"

وتوزع المناصب الحكومية على السلالات السياسية الرئيسية والمليارديرات والأعضاء الرئيسيين في الطوائف اللبنانية ، التي ترسخت في السلطة منذ نهاية الحرب الأهلية التي دامت 15 عامًا وانتهت في 1990، وترفض تسليم ثمار المحسوبية والمحاباة.

وأمرت الحكومة بإغلاق جميع المدارس والمصارف بسبب المظاهرات.

بالإضافة إلى المظاهرات المناهضة للحكومة في طرابلس ، قام المتظاهرون في مدينة النبطية الشيعية الجنوبية بإزالة الملصقات الخاصة بنبيل بري ، رئيس البرلمان اللبناني ورئيس حركة أمل المتحالفة مع حزب الله ، ونددوا به لصاً. وفقًا لشهود العيان ، ردّ أنصار بري بمهاجمة المتظاهرين في مدينة صور الجنوبية يوم السبت.

وأغلق المتظاهرون الطرق في جميع أنحاء البلد ، بما في ذلك في وادي البقاع ، وهي منطقة أغلبية شيعية. وتعتمد حكومة الحريري على دعم حزب الله لبقائه. كما استهدف المحتجون الرئيس المسيحي ميشال عون وصهره ووزير الخارجية ، جبران باسيل للفساد الممنهج في الدولة.

بحلول يوم السبت ، بدا وسط بيروت يشبه منطقة حرب ، حيث كانت الشوارع مليئة بالزجاج المكسور وصناديق القمامة المقلوبة والإطارات المحترقة ، وأغلقت البنوك والعديد من المتاجر والمطاعم ، وأغلق المطار الرئيسي من قبل المتظاهرين.

أمر الحريري ائتلافه المنقسّم على قبول مقتراحاته للميزانية دون فرض ضرائب جديدة في غضون 72 ساعة، ما عدى ذلك هدد إستقالته. وفي يوم السبت استقال أربعه وزراء حكوميين من حزب القوات اللبنانية المسيحية بمن فيهم وزير العمل ووزير الشئون الاجتماعية ونائب رئيس الوزراء.

في اليوم التالي ، أعلنت الفصائل المتبقية أنها وافقت على ميزانية نهائية خالية من أي ضرائب أو رسوم إضافية. برز حسن نصر الله زعيم حزب الله كداعم رئيسي للحكومة ، محذرا من أن أي تغيير في الحكومة لن يؤدي إلا إلى تفاقم الوضع ، لأنه قد يستغرق وقتا طويلا لتشكيل حكومة جديدة وحل الأزمة.

لكن هذا كله لم يثر إعجاب الشعب. بالأمس ، أعلنت النقابة العمالية الرئيسية عن إضراب عام ، وظلت البنوك والشركات والمدارس والجامعات مغلقة حيث وافق مجلس الوزراء على ميزانية 2020 المتعثرة منذ فترة طويلة. وتشمل ذلك خفض رواتب ومزايا السياسيين الحاليين والسابقين إلى النصف ، ويتطلب من البنك المركزي والبنوك الخاصة المساهمة بمبلغ 3.3 مليار دولار في "عجز شبه الصفر" لميزانية عام 2020.

قال المحتجون إن هذا ليس كافيا وطالبوا الحكومة بالاستقالة.

تأتي الاحتجاجات في أعقاب احتجاجات جماهيرية سابقة في مايو / أيار على مقترحات الميزانية لخفض أجور ومعاشات ومزايا القطاع العام ، حيث سعت حكومة الحريري الهشة إلى وضع ميزانية تقشفية تهدف إلى خفض الإنفاق الحكومي وتقليص عجز الموازنة.

بعجز وطني يبلغ 86 مليار دولار—أي ما يعادل 150 في المائة من إجمالي الناتج المحلي ، تعد هذه واحدة من أعلى نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في العالم ، وقد تم تخفيضها مؤخرًا إلى وضع السندات غير المرغوب فيها من قبل وكالات التصنيف الائتماني—يجب على لبنان أن توفي بشروط مالية واقتصادية شاقة إذا أرادت الحصول على ال11 مليار دولار من القروض التي تم التعهد بها في مؤتمر CEDRE في باريس العام الماضي.

في 2 سبتمبر / أيلول أعلن الحريري حالة طوارئ اقتصادية وتعهد بالإسراع في "الإصلاحات المالية"—رفع الضرائب وإجراءات التقشف التي ستتحملها الطبقة العاملة—بما في ذلك تجميد توظيفات القطاع العام ، وإغلاق المؤسسات العامة الخاسرة وخدماتها العامة القليلة المتبقية ، وقطع الدعم المادي بقيمة ملياري دولار لقطاع الكهرباء الذي بالكاد يعمل ، ومزيد من الخصخصة ، بما في ذلك قطاع الاتصالات.

وفي الشهر الماضي ، نظمت محطات البنزين والشركات التي تستورد وتوزع المنتجات النفطية إضرابات ، مما أدى إلى طوابير طويلة من المركبات في محطات البنزين. جاء ذلك في أعقاب رفض المصارف اللبنانية بتزويد دولارات لزبائنها ، بما في ذلك مستوردي وموزعي الوقود ومطاحن القمح وشركات الاتصالات ، من أجل الحفاظ علي احتياطات المؤسسات المالية من العملات االصلبة ، مما اضطر الشركات إلى شراء الدولارات بمعدل أعلى من مكاتب صرف العملات.

النقص في الدولار هو نتيجة لانخفاض احتياطي البنك المركزي من العملات الأجنبية ، وانخفاض التحويلات من الشتات اللبناني ، وهبوط الاستثمارات الأجنبية ، وخاصة من الخليج ، وارتفاع العجز في ميزان المدفوعات حيث تتجاوز الواردات الصادرات بكثير.

بالإضافة إلى ذلك ، يتضرر الاقتصاد بشكل خاص من الحرب التي تقودها الولايات المتحدة من أجل تغيير النظام في سوريا ، التي كانت لبنان جزءا منها حتى فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى وتاريخيا لها علاقات عائلية واجتماعية واقتصادية وثيقة. لقد حول هذا لبنان إلى ساحة معركة بالوكالة من أجل النفوذ في المنطقة بين القوى الإمبريالية والدول الإقليمية المتنافسة ، مما أدى إلى عدم فهم أي حدث سياسي في لبنان كامر داخلي بحت.

تأتي هذه الأحداث كتأكيد جديد على أن البرجوازية في لبنان ، التي تعتمد على القوى الإمبريالية والإقليمية الكبرى ، كما هو الحال في جميع البلدان الاستعمارية السابقة ، غير قادرة على تأمين تطلعات العمال المشروعة تماماً للأمن الاقتصادي.

الحل التقدمي الوحيد هو أن يقوم العمال بإسقاط المؤسسة السياسية ، ومصادرة ممتلكات المليارديرات التي تدير البلد ، وتحويل القطاعات الرئيسية للاقتصاد إلى مرافق عامه. لا يمكن للمتظاهرين اللبنانيين تحقيق أهدافهم الأساسية إلا من خلال التعبئة الثورية للطبقة العاملة في نضال أوسع مع إخوانهم وأخواتهم في المنطقة ضد الرأسمالية والامبريالية من أجل الاشتراكية.