إن عقد الثورة الاشتراكية قد بدأ!

بقلم دافيد نورث وجوزيف كيشور
٣ كانون الثاني يناير ٢٠٢٠

دشن العام الجديد  بداية عقد من تصاعد الصراع الطبقي  والثورة الاشتراكية العالمية .

عندما سيكتب المؤرخون العلميون في المستقبل عن اضطرابات القرن الحادي والعشرين  سيذكرون  كل الإشارات "الواضحة" التي كانت قائمة  مع بداية 2020 المرتبطة بعاصفة ثورية ستنتشر قريباً عبر الكوكب. إن الباحثين، المزودين بمجموعة واسعة من الحقائق والوثائق والرسوم البيانية، والمواقع الإلكترونية  ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من أشكال المعلومات الرقمية القيمة المتوفرة  تحت تصرفهم سيصفون العقد الأول من القرن الحادي العشرين  بأنه مرحلة تميزت بأزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية صعبة المراس  في النظام الرأسمالي العالمي .

وسيشيرون إلى أن بداية العقد الثالث من القرن  كان التاريخ قد وصل فيه  بالتحديد إلى الوضع الذي تنبأ به نظرياً كارل ماركس عندما كتب:" في مرحلة محددة من تطورها تدخل  القوى المنتجة في مجتمع ما  في صراع مع علاقات الإنتاج القائمة  أو بالأحرى عندما نستخدم التعبير القانوني  فإنها تدخل في صراع مع علاقات الملكية التي كانت سائدة حتى الآن. وتتحول هذه العلاقات من أن تكون  شكل لتطور القوى المنتجة لتصبح قيوداً تكبلها. ثم يبدأ عهد الثورة الاجتماعية. ومع التغير في الأساس الاقتصادي تتحول، عاجلاً أم آجلاً، كل البنية الفوقية الهائلة ".

ما ذا كانت، في واقع الأمر، السمات الرئيسية للسنوات العشر الأخيرة ؟

إنها مأسسة الصراعات العسكرية التي لا تنتهي  وتصاعد خطر حرب نووية 

فلم يكن هناك يوم واحد خلال العقد المنصرم  لم تكن خلاله  الولايات المتحدة في حرب. لم يقتصر الأمر على استمرار العمليات العسكرية في العراق وأفغانستان حيث حدثت تدخلات جديدة في سورية وليبيا واليمن وأوكرانيا. بل إن عام 2020  سار على هذه الدرب حيث أن اغتيال الجنرال قاسم سليمان بإيعاز من الرئيس دونالد ترامب يهدد بحرب شاملة  بين الولايات المتحدة وإيران  يصعب توقع تداعياتها. إن تورط الرئيس الأمريكي في عملية  اغتيال محددة أخرى الهدف وما تلاها من تفاخر متعطش للدماء، تشهد على حالة التشويش المتقدمة لدى النخبة الحاكمة بأكملها. 

وعدا عن هذا فإن تبني عقيدة استراتيجية  جديدة في 2018 دشن تصعيداً واسعاً في العمليات العسكرية للولايات المتحدة.   ففي خلال إعلانه عن العقيدة الجديدة  قال سكرتير الدفاع وقتها جيمس ماتيس:" سنتابع حملتنا التي نخوضها اليوم ضد الإرهابيين لكن المنافسة من قبل القوى الكبرى وليس الإرهاب هو نقطة التركيز الأولى بالنسبة للأمن القومي للولايات المتحدة ". وكشفت العقيدة الجديدة عن السبب الجوهري لما سمي في السابق " الحرب على الإرهاب " وهو محاولة الحفاظ على موقع الإمبريالية الأمريكية المهيمن .

إن الولايات المتحدة مصممة على الحفاظ على هذا الموقع  بغض النظر عن التكاليف المالية  والنتائج المتعلقة بحياة البشر.  وكما أشار المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في مسح استراتيجي  نشر مؤخراً إلى " إنه من غير المرجح أن تقوم الولايات المتحدة طوعاً أو على مضض أو بعد نوع ما من الصراع بالتخلي عن أي أفضلية استراتيجية  لصالح الصين ."  

إن كل القوى الإمبريالية الكبرى  قد قامت، خلال العقد المنصرم،  بتصعيد استعداداتها لحرب عالمية وصراع نووي.  إن الميزانية العسكرية البالغة  تريليون دولار التي  تبنتها إدارة ترامب عام 2019 بدعم من الحزب الديمقراطي هي ميزانية حرب.  إن ألمانيا وفرنسا، والمملكة المتحدة  وكل البلدان الإمبريالية  تعزز من قواتها المسلحة. و إن هدف الإمبريالية، بما في ذلك النخب الحاكمة في الصين وفي روسيا تتراوح ما بين التهديدات بحرب وبين جهود يائسة للتوصل إلى نوع من التوافق.

إن المؤسسات التي طورت في أعقاب الحرب العالمية الثانية بهدف منع صراع شامل آخر صارت عاجزة عن أداء وظيفتها. ونقرأ في المسح الاستراتيجي :

"إن مسارات الأمور في 2018-2019 أكدت كلها واقع تفتت المجتمع الدولي. ولم  يعد" توازن القوى" ولا "الحوكمة المستندة إلى قواعد دولية"  تستخدم بوصفها مبادىء تظيم. لقد تم تهميش الهيئات الدولية. وما يزال روتين الاجتماعات الديبلوماسية مستمراً ومع ذلك فإن الجهود الوطنية المتنافسة التي نادراً ما تنسق في ما بينها هي أكثر أهمية والأدهى أنها في معظم الأحوال  تفتقد التماسك خلال التنفيذ وعلى صعيد النتيجة. "

إن انتهاء النظام القائم على قواعد شاملة، أي المعتمد على هيمنة  الولايات المتحدة  التي لا تقبل التحدي، حرك منطقاً سياسياً سيقود إلى حرب. وكما حذر المسح الاستراتيجي :"القانون  تصنعه وتدعمه السياسات. وعندما يعجز القانون عن حل الخلافات يتم تجاهله والعودة إلى المجال السياسي لاتخاذ القرار."  وبهدف فهم "المجال" الذي يشير إليه معهد الدراسات السياسية الاستراتيجية يجب على المرء تذكر تعريف  كلاوشفيتز الشهير للحرب بوصفها سياسات بوسائل أخرى.

لكن ما هي تداعيات حرب عالمية جديدة؟  يلفت المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية الانتباه إلى المخططات الجديدة  الهادفة إلى استخدام الأسلحة النووية . "ففي الوقت نفسه الذي تقوم فيه الولايات المتحدة وروسيا بتحديث ترساناتهما  وتغيير عقيدتيهما بحيث يتم تسهيل مهمة استخدام تلك الترسانات، وفي حين  يظل الخلاف بين الهند وباكستان حول كشمير نقطة احتراق كامنة لاستخدام أسلحة نووية"  فإن التهور القريب من الجنون السائد بين صناع السياسات  يشير إلى تصاعد القناعة  بأن استخدام الأسلحة النووية التاكتيكية يمثل خياراً قابلاً للتحقيق. وكتب  المعهد الدولي للدراسات الاستسراتيجية :

"كل ما يمكن قوله بثقة مقبولة أن أي تبادل نووي إقليمي ضمن إطار ظروف معينة سيتسبب بتداعيات بيئية شاملة لكن يمكن في ظل ظروف أخرى الحد من تلك التأثيرات".]  تم اضافة التأكيدات[

إن الحركة باتجاه حرب عالمية ثالثة، التي يمكن أن تهدد بإفناء النوع البشري، لا يمكن إيقافها  بالنداءات الإنسانية فالحرب تنتج عن فوضى الرأسمالية وعن انتهاء صلاحية نظام الدولة – الأمة ولهذا السبب لا يمكن إيقافها إلا من خلال نضال الطبقة العاملة الشامل في سبيل الاشتراكية .

 انهيار الديمقراطية

إن تصاعد التوتر الطبقي إلى حدوده القصوى ودينامية الإمبريالية هما المصدران الحقيقيان للانهيار العالمي لأشكال الحكم  الديمقراطية. وكما كتب لينين  في خضم الحرب العالمية الأولى :" الإمبريالية هي حقبة الرأسمال المالي  والاحتكارات التي تنشر في كل مكان التعطش إلى السيطرة  لا إلى الحرية. وبغض النظر عن النظام السياسي فإن نتائج هذه التوجهات في كل مكان هي الرجعية  وتشديد العداوات في هذا الميدان ." 

قد تم إثبات تحليل لينين في المقابل من قبل النخب الحاكمة، خلال العقد المنصرم، نحو أساليب الحكم الاستبدادية والفاشية. إن وصول إلى السلطة بعض الشخصيات الإجرامية والسيكوباثية إلى الحكم مثل ناريندرا مودي في الهند، و ورودريغو دوترت في الفيليبين، وبنيامين نتنياهو في إسرائيل وعبد الفتاح السيسي في مصر، و خائير بولسونارو في البرازيل، ودونالد ترامب في الولايات المتحدة، وبوريس جونسون في المملكة المتحدة  يمثل أعراض أزمة  تعصف بالنظام الرأسمالي بأسره. 

فبعد خمسة وسبعين عام على انهيار الرايخ الثالث عادت الفاشية إلى ألمانيا.  إن حزب البديل في سبيل ألمانيا، الذي هو ملاذ للنازيين الجدد،  قد برز خلال العقد الماضي  بوصفه أهم أحزاب المعارضة. وقد سهلت حكومة التحالف الكبير  صعوده  بالتعاون مع الإعلام الفاسد و الأكاديميين الرجعيين  الذين يقومون بتنظيف جرائم نظام هتلر دون أن يخشوا عقاباً. وثمة صيرورة مشابهة  تعمل عبر أرجاء أوروبا حيث يتم  بحنين استلهام  ذكرى القادة الفاشيين للعقدين الثالث والرابع من القرن العشرين مثل بيتان في فرنسا، وموسوليني في إيطاليا، وهورثي في هنغاريا وفرانكو في اسبانيا.

كما شهد العقد المنصرم انبعاث العنف المعادي للسامية ورعاية الإسلاموفوبيا وغيرها من أشكال الشوفينية القومية والعنصرية. وتم بناء معسكرات الاعتقال عند حدود الولايات المتحدة مع المكسيك بهدف سجن اللاجئين  الهاربين من أمريكا الوسطى والجنوبية، وكذلك في أوروبا وفي شمال أفريقيا  لتكون الخط الأول في سياسة الاتحاد الأوروبي المناهضة للمهاجرين.

لا يوجد أي تيار تقدمي يمكن العثور عليه في الأحزاب الرأسمالية.  وحتى في مواجهة رئيس فاشي فإن الحزب الديمقراطي امتنع عن المعارضة على أساس الدفاع عن الحقوق الديمقراطية. ومن خلال استخدام طرق انقلاب القصر يسعى الديمقراطيون لعزل ترامب فقط لأنه، في نظرهم ، عرقل الحملة ضد روسيا  والحرب عن طريق الوكلاء في أوكرانيا.

إن موقف كل المؤسسة السياسية البوجوازية  من الحقوق الديمقراطية قد تم تلخيصه بالمعاملة  المرعب مع مؤسس ويكيليكس جوليان أسانج  والمسربة شيلسيا مانينغ.  فبدعم من كل من الديمقراطيين والجمهوريين مايزال أسانج حبيساً في سجن بلمارش في لندن منتظراً ترحيله إلى الولايات المتحدة في حين تم سجن مانينغ ما يقارب العام بسبب رفضها التقدم بشهادة أمام هيئة محلفين أرادت تحميل أسانج المزيد من التهم . 

إن  اضطهاد أسانج و مانينغ يهدف إلى تجريم النشاط الصحفي المصان دستورياً. وهو جزء من عملية أوسع لمنع المنشقين بما في ذلك الحملة لفرض الرقابة على الإنترنت  وسجن عمال شركة ماروتي – سوزوكي في الهند وغيرهم من معتقلي الحرب الطبقية .

إن الاستعدادات للحرب، بما في ذلك النفقات الهائلة التي فرضت تراكم الدين إلى مستوى غير مسبوق يمنع الهواء عن الديمقراطية. وفي التحليل الأخير يجب أن يتم فرض تكاليف الحرب على عاتق العمال في العالم. إن الشعب الذي غضب بالفعل من عقود من تضحيات سيعارض تحمل أعباء الحرب لكن استجابة  النخب الحاكمة  ستكون من خلال تشديد جهودها  لإلغاء كل شكل من المعارضة الشعبية. 

تدهور البية 

اتسم العقد الأخير بالتدمير المستمر متصاعد السرعة للبيئة . وقد أصدر العلماء تحذيرات اشتدت صرامتها باستمرار  بأنه  في ظل عدم وجود عمل فوري وبعيد المدى وشامل لكل الكوكب فإن نتائج ارتفاع حرارة الكوكب ستكون مدمرة  وغير قابل للعكس.  إن الجحيم القاتل الذي اجتاح استراليا مع نهاية العام لا يعدو أن يكون أحدث النتائج المرعبة لتغير المناخ .

وفي  شهر نوفمبروقع 11 ألف عالم  بياناً  في جريدة بيوسيانس  حذر " من أن كوكب الأرض يواجه حالة طوارئ مناخية". وأشار البيان إلى أنه على مدى أربعة عقود من محادثات شاملة حول المناخ،   قد قمنا، إلا في حالة بعض الاستثناءات،  بمتابعة الأعمال وفق ما هو معتاد وبالتالي فشلنا  في تعامل هذا المأزق ....

إن أزمة المناخ  قد وصلت وهي تتسارع  بقدر أكبر مما توقعه العلماء، وهي أشد مما كان متوقعاً وتهدد الانظمة البيئية الطبيعية  ومصير الإنسانية ...ومن المثير  للقلق بشكل خاص وجود نقاط تحول محتملة  لا رجعة  فيها  في المناخ وردود فعل معززة من الطبيعة يمكن أن تقود إلى تحول كوكب الأرض إلى " دفيئة" بشكل يتجاوز سيطرة البشر. إن سلسلة ردود الأفعال المناخية يمكن أن تتسبب باختلال شديد في الانظمة البيئية وفي المجتمع والاقتصادات الأمر الذي يمكن أن يحول مساحات شاسعة من الأرض إلى مناطق غير صالحة لسكنى البشر .

وفي وقت مبكر من هذا العام أشار تقرير الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ التابع للأمم المتحدة إلى أن هناك 821 مليون  شخصاً يعانون  المجاعة  ويواجهون خطر الموت جوعاً نتيجة أثر ارتفاع  الحرارة الشامل على المناطق الزراعية. كما يمكن أن يخسر مئات ملايين البشر إمكانية الوصول إلى الماء العذب في حين ستعاني أعداد أكبر من نتائج الأحوال المناخية متصاعدة الشدة على شكل فيضانات، وجفاف وأعاصير .

إن التغير المناخي وغيره من تجليات تدهور البيئة هي نتاج نظام اقتصادي واجتماعي عاجز عن  تنظيم الإنتاج الشامل بطريقة رشيدة وعلمية على قاعدة الحاجة الاجتماعية – بما في ذلك الحاجة إلى بيئة صحية – بدلاً من مراكمة لا تنتهي للثروات الشخصية .

تداعيات انهيار عام 2008 وأزمة الرأسمالية

ونجد خلف كل مظاهر الوضع الاجتماعي والسياسي النمو الخبيث للتفاوت الاجتماعي الشديد وواقع أنه كان النتيجة الحتمية والمقصودة لكل الإجراءات التي تم تبنيها من قبل الطبقة الحاكمة بعد الأزمة الاقتصادية والمالية عام 2008.

ففي أعقاب الانهيار المالي الذي وقع عشية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين قامت حكومات العالم والمصارف المركزية بفتح الصنابير.  ففي الولايات المتحدة في ظل إدارة بوش وبشكل خاص مع إدارة أوباما  تم تخصيص 700 بليون $ لإنقاذ المصارف وتلا ذلك تيرليونات الدولارات على شكل  " تسهيلات كمية" وهذا يعني أن الاحتياطي الفيدرالي يقوم بشراء أوراق مالية وسندات لا قيمة لها من المؤسسات المالية.

وهكذا تضاعف دين الحكومة الأمريكية خلال ليلة واحدة وارتفعت الأصول المالية في الإحتياط الفيديرالي من اقل من 2 تريليون $ في نوفمبر 2008 إلى 4.5 تريليون $ في أكتوبر 2014 ،  وما يزال الرقم يراوح اليوم عند أكثر من 4 تريليون $ . ومع برنامج شراء سندات مالية جديدة  بقيمة 60 بليون$ شهرياً الذي أطلق في نهاية عام 2019  سيكون من المتوقع أن يتجاوز اختلال الميزان في منتصف هذا العام المستوى الأعلى الذي بلغه في أعقاب الانهيار المالي .

استمرت هذه السياسة تحت حكم ترامب من خلال خفضه الهائل في الضرائب على الشركات  ومطالبته بالمزيد من خفض معدلات الفائدة.  وقد أشارت صحيفة نيويورك تايمز في مقال صدر في الأول من يناير (ثمة استراتيجية استثمار  بسيطة نجحت خلال عام 2019 : اشتر أي شيء تقريبا"، الى أن قيمة كل تقريبا أسهم الاستثمار قفزت بشكل ملحوظ خلال العام الماضي . إن أسهم  ناسداك قد ارتفعت بنسبة 35% ، في حين ارتفعت أسهم س& ب 500 بمقدار 29% وارتفعت قيمة السلع بنسبة 16% ، في حين ارتفعت قيمة سندات شركات الولايات المتحدة بنسبة 15% ، كما ارتفعت سندات خزينة الولايات المتحدة بنسبة 7%. لقد كان ارتفاعًا رائعًا على نطاق واسع بمقياس لم يسبق له مثيل منذ ما يقرب من عقد من الزمان والسبب؟  في الغالب كان انعكاساً سريعاً من قبل الإحتياط الفيديرالي، والذي ذهب من التخطيط لرفع معدلات الفائدة  إلى إلغائها وضخ نقود جديدة في الأسواق المالية ."

كما أن كل القوى الرأسمالية الكبرى طبقت إجراءات مماثلة.  إن منح قروض غير محدودة  وطباعة النقد، وهذا في التحليل الأخير هو حقيقة التسهيلات الكمية،  سيعزز من شدة الأزمة الكامنة. فمن خلال محاولة إنقاذ نفسها قامت النخب الحاكمة بتمجيد الطفيلية ورفعت اللامساواة الاجتماعية إلى مستوى غير معروف في التاريخ الحديث.

إن ثروات النخبة المالية قد ارتفعت إلى مستويات فلكية خلال العقد الماضي مستفيدة من الضخ اللامحدود للنقود في السوق. إن أثرى 500 شخص من سكان العالم  (وهم يمثلون 0.000006 بالمائة من مجموع السكان) يمتلكون الآن 5.9 تريليون $ بزيادة 1.2 تريليون $  مقارنة مع العام الماضي وحده. وهذه الزيادة تتجاوز الناتج الوطني العام ( أي قيمة كل الخيرات والخدمات المنتجة) للجميع في 15 دولة في العالم.  وفي الولايات المتحدة يمتلك أكبر 400 غني ثروة تفوق ما يمتلكه 64 % من الشعب من الفئة الأدنى ثراء  كما أن نسبة 0.1% من السكان تمتلك  حصة من الثروات تفوق أي مستوى منذ عام 1929 الذي سبق مباشرة الكساد العظيم .

إن الكارثة الاجتماعية التي تواجه جماهير العمال و الشباب عبر العالم هي النتيجة المباشرة للسياسات المستخدمة لضمان تراكم الثروة من قبل الشركات والنخبة المالية.

إن تراجع  العمر المتوقع بين صفوف العمال في الولايات المتحدة والبطالة الكبيرة  بين العمال وبشكل خاص بين الشبان عبر أرجاء العالم، وإجراءات التقشف المدمرة التي فرضت على اليونان وعلى بلدان أخرى، وتشديد الاستغلال  لتعزيز أرباح الشركات هي كلها  نتيجة لسياسات النخب الحاكمة .

نمو الطبقة العاملة العالمية والنضال الطبقي الشامل

إن الشروط الموضوعية لثورة اشتراكية تنبع من الأزمة الشاملة. إن اقتراب الثورة الاجتماعية قد تم التنبؤ به من خلال المظاهرات الجماهيرية والإضرابات التي انتشرت في أرجاء الكوكب في 2019 في المكسيك، وبورتو ريكو، والإكوادور، وكولومبيا، والتشيلي، وفرنسا، واسبانيا، والجزائر، وبريطانيا، ولبنان، والعراق، وإيران، والسودان، وكينيا، وجنوب أفريقيا، والهند، وهونج كونج .  كما أن الولايات المتحدة، حيث كل الهيكلية السياسية موجهة نحو إلغاء الصراع الطبقي،  شهدت أول إضراب، منذ أكثر من أربعين عام، على المستوى القومي من قبل عمال صناعة السيارات .

لكن الجانب المهيمن والأكثر ثورية في الصراع الطبقي هو سمته الأممية المتجذرة  في صفة الشمول التي تتميز به رأسمالية اليوم. علاوة على ذلك، فإن حركة الطبقة العاملة هي حركة  بين جيل الشباب ولهذا فإنها ستحدد شكل المستقبل.

إن من هم تحت عمر الثلاثين يمثلون اليوم أكثر من نصف سكان العالم، وتتجاوز نسبتهم 65%  من سكان مناطق النمو الأكبر جنوب الصحراء الأفريقية و الشرق الأوسط  وجنوب  وجنوب شرق آسيا حيث يصل مليون شخص في الهند إلى عمر الثمانية عشر سنة شهرياً. ومن المتوقع دخول 27 مليون من الشباب إلى القوة العاملة  خلال السنوات الخمس القادمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا .

ومن 1980 إلى 2010 أضاف التطور الصناعي العالمي أكثر من 1.2 بليون شخص إلى صفوف الطبقة العاملة ومئات الملايين غيرهم خلال العقد الذي بدأ عام 2010. وضمن  1.2 بليون الذين ذكرناهم هناك 900 مليون شخص انضموا إلى الطبقة العاملة في البلدان النامية.  أما على الصعيد الدولي فقد تراجعت  النسبة المئوية من القوى العاملة الإجمالية التي يمكن تصنيفها على أنها من الفلاحين من 44% سنة 1991 إلى 28 % عام 2018. ومن المتوقع انضمام ما يقارب بليون شخص إلى الطبقة العاملة في أفريقيا جنوب الصحراء خلال العقود القادمة. وفي الصين وحدها انتقل 121 مليون شخص من الحقل إلى المصنع بين عام 2000 و 2010 يضاف إليهم ملايين فعلوا ذلك خلال العقد التالي.

لم يقتصر نمو الطبقة العاملة على آسيا وأفريقيا. ففي البلدان المتقدمة تم تحويل فئات واسعة ممن كانوا في السابق يعتبرون أنفسهم من الطبقة الوسطى لينضموا إلى البروليتاريا، في حين أضافت موجة المهاجرين من أمريكا اللاتينية إلى الولايات المتحدة ومن شمال أفريقيا والشرق الأوسط إلى أوروبا ملايين إلى القوى العاملة عالية التنوع .

وفي الفترة ما بين 2010 و 2019 ازداد عدد سكان مدن العالم بمقدار بليون شخص أوجدوا شبكة من " مدن عملاقة" مترابطة في ما بينها شكلت خلايا إنتاج اقتصادي وبراميل بارود اجتماعية في آن معاً حيث انعدام المساواة هو واقع مرئي في الحياة اليومية. 

إن هؤلاء العمال مترابطون مع بعضهم العض بطريقة غير مسبوقة  في تاريخ العالم. إن التقدم الهائل في العلوم والتقانة والاتصالات  وقبل كل شيء نمو شبكة الإنترنت وانتشار أجهزة الهاتف النقالة سمحت لجماهير الشعب بتجاوز الأخبار الزائفة التي تنشرها وسائل الإعلام البورجوازية التي تعمل في الواقع بما يتجاوز بقليل أنها الناطقة بلسان الدولة ووكالات الاستخبارات. واليوم هناك 4.4 بليون شخص، أي أكثر من نصف سكان العالم، لديهم إمكانية الوصول إلى الإنترنت . ويبلغ متوسط ما يمضيه الفرد مع وسائل التواصل الاجتماعي ساعتين يومياً وغالباً ما يكون هذا عن طريق الأجهزة المحمولة .

الآن صار بإمكان العمال والشباب تنسيق احتجاجاتهم وأفعالهم على مستوى شامل، وقد تجلى هذا في الحركة الدولية ضد التغير المناخي  وبظهور " السترات الصفراء"بوصفهم رمزاً  عالمياً للاحتجاج على انعدام المساواة، وكذلك عبر  تضامن عمال صناعة السيارات في الولايات المتحدة وفي المكسيك. وهذه التغيرات الموضوعية  أنتجت نقلة كبرى في الوعي الاجتماعي في ما يتعلق بالمسألة المركزية المتمثلة باللامساواة الاجتماعية.  وقد شرح تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة عام 2019 أنه تقريباً في كل البلدان كان هناك ارتفاع نسبة الناس المطالبين بمزيد من المساواة بمقدار يزيد عن 50% ما بين العقدين الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين. وحذر التقرير من " أن المسوح بينت تصاعد الإحساس باللامساواة واشتداد الرغبة لتفضيل  مستوى أعلى من المساواة وكذلك صعود عدم المساواة العالمية في التصورات الذاتية للرفاه. إن كل هذه الميول يجب أن تدفع لرفع الرايات الحمراء".

دور القيادة الثورية 

إن نمو الطبقة العاملة  وبروز الصراع الطبقي على مستوى دولي يمثلان الأساس الموضوعي للثورة .  لكن النضال العفوي للعمال وميلهم الغريزي إلى الاشتراكية هو في حد ذاته غير كاف . إن تحويل النضال الطبقي إلى حركة في سبيل الاشتراكية هو مسألة تتعلق  بالقيادة السياسية.

إن العقد الأخير قدم ثروة من تجارب أثبتت، بطريقة سلبية، الدور الحاسم للقيادة الثورية. بدأ العقد  بثورة اكتست شكل احتجاجات عارمة  من قبل العمال المصريين وللشباب ضد  ديكتاتورية حسني مبارك المدعومة من الولايات المتحدة. وفي ظل غياب قيادة ثورية  وبفضل الدعم الذي قدمته التنظيمات البورجوازية الصغيرة عبر التضليل تم بعثرة الجماهير خلف أجنحة مختلفة من النخبة الحاكمة  وتتوج هذا في إعادة تثبيت ديكتاتورية عسكرية مباشرة بقيادة جزار القاهرة عبد الفتاح السيسي.

إن كل بدائل الماركسية التي طرحها ممثلو الطبقة الوسطى الغنية قد فقدت مصداقيتها مثل حركة احتلال وول ستريت  اللاسياسية المندرجة في إطار فوضوية جديدة في الولايات المتحدة في عام 2011 حيث تبين أنها حركة مرتبطة بالطبقة الوسطى نادت  ببناء حزب 99% وكان همها إخضاع مصالح الطبقة العاملة  لمصالح العشرة في المائة المتربعين على القمة.

وتم رعاية أشكال جديدة من " اليسار الشعبوي " في أوروبا بما في ذلك حركة سيريزا في اليونان، وبوديموس في اسبانيا. وقد وصلت حركة سيريزا إلى السلطة عام 2015 وقامت على مدى أربع سنوات بتطبيق ما فرضته المصارف.  وبوديموس هو اليوم الحزب الحاكم  بالتحالف مع الحزب الاشتراكي الاسباني وهو ملتزم  ببرنامج يميني التوجه مؤيد للتقشف. كما أن حركة النجمات الخمس التي تم تقديمها بوصفها تمرد على المؤسسات القائمة انتهت بالتحالف مع الفاشيين الجدد في إيطاليا. وكذلك الحال مع حركة كوربين التي شجعت الوهم  بإحياء حزب العمال بوصفه أداة للنضال ضد الرأسمالية أثبتت في النهاية أنها مرادفة للجبن السياسي والخنوع أمام الطبقة الحاكمة. وعندما سيشق ساندرز طريقه إلى البيت الأبيض فستثبت إدارته تذللاً مماثلاً .

وفي أمريكا اللاتينية  نجد أن القومية البورجوازية "اليسارية" التي كانت جزء من " المد الوردي" مثل تيار لولا في البرازيل، و" الثورة البوليفارية " بقيادة شافيز في فينزويلا، وإيفو موراليس في بوليفيا  قد تحطمت سفنها تحت تأثير أزمة الرأسمالية العالمية. وأدت سياسة التقشف الخاصة بها المحابية للشركات إلى تمهيد الطريق أمام الجنوح إلى اليمين  بما في ذلك وصول بولسونارو إلى السلطة في البرازيل والانقلاب العسكري المدعوم من الولايات المتحدة ضد موراليس عام 2019.

كما تم فضح النقابات، التي خدمت على مدى طويل بوصفها آليات لقمع الصراع الطبقي بعد أن تبين أنها كانت عميلة للشركات وللدولة. وفي الولايات المتحدة تحول نضال عمال صناعة السيارات إلى صراع مع القيادة الفاسدة لاتحاد عمال السيارات التي تخضع لقرار الاتهام أو التحقيق  بسبب حصولها على رشاو من الشركات وبسبب سرقة  مدفوعات عضوية العمال. لكن اتحاد عمال السيارات لا يعدو أن يكون تعبيراً عن سيرورة عامة.

وقد بدأت بين  الطبقة العاملة عملية تمايز سياسي واجتماعي واسعة  عن اليسار الزائف، وهو تيار لسياسات دولية تعتمد على الفئة العليا المترفة من الطبقة الوسطى التي تدعم سياسات الهوية القائمة على العرق والنوع والميول الجنسية. وتسعى سياسات الفئة العليا من الطبقة الوسطى للحصول على شيء من الثروة من جماعة الواحد في المئة  على القمة وإعادة  توزيعها. وهي تتخبط في تركيزها المهووس على الفرد كوسيلة لجعل " الهوية" طريقة للوصول إلى مواقع في السلطة وتحقيق مكاسب مع تجاهل المصالح الاجتماعية لللأغلبية الواسعة.

مهام اللجنة الدولية للأممية الرابعة

أشارت العديد من تعليقات  الصحافة البورجوازية إلى احتجاجات ونضالات العام المنصرم بأنها "مفتقدة للقيادة".  لكن هذه ليست سوى المرحلة الأولى في تطور وعي الجماهير. فالجماهير التي راكمت التجربة خلال النضال تتعرض لتغير عميق في توجهها الاجتماعي والسياسي . وفي إطار هذه السيرورة الثورية  سيتطور النضال في سبيل وعي اشتراكي.

إن العقد الجديد من الثورة الاجتماعية سيحمل معه مرحلة جديدة في تاريخ اللجنة الدولية للأممية الرابعة. كما أن ممارسة الحركة الثورية ستلعب دوراً حاسماً  وقد شرح هذا بيان المؤتمر الوطني لحزب المساواة الاشتراكية عام 2018:

إن تقييم الوضع الموضوعي والظهور الحقيقي لممكنات سياسية التي تستبعد أثر تدخل الحزب الثوري هو أمر غريب بالكامل عن الماركسية.  إن  دور الحزب الماركسي الثوري لا يتمثل بالتعليق على الأحداث فقط بل بالمتشاركة في الأحداث التي يقوم بتحليلها ويسعى من خلال قيادته للنضال في سبيل سلطة العمال والاشتراكية إلى تغيير العالم (انظر: انبعاث الصراع الطبقي ومهام حزب المساواة  الاشتراكية )

هناك العديد من الدلائل على التأثير السياسي المتزايد للجنة الدولية للاممية الرابعة. كما شهد موقع الاشتراكية العالمية، في 2019، نمواً هائلاً في عدد القراء على الرغم من حملة الرقابة على الإنترنبت وقد بلغ عدد الصفحات التي تمت زيارتها 20 مليون بعد أن كان 14 مليون في عام2018  ( وهذا نمو  يتجاوز نسبة 40%). وقد توافقت أوسع مرحلة لقراءة الموقع، حيث تجاوزت مليوني زائر للموقع كل شهر، مع إضراب عمال جنرال موتورز ومع نضال عمال السيارات في شهري سبتمبر و أكتوبر .

وتمثل هذه التطورات  تقدماً هاماً لكنها ليست مبرراً للرضا عن الذات حيث أن نمو نفوذ اللجنة الدولية للأممية الرابعة يفرض بجلاء واضح مسؤوليات ومهام هائلة ما تزال أمامنا .

الآن يجب أن يكون هناك تحول إلى الطبقة العاملة، وللتدخل بنشاط في كل مظاهرة من معارضة العمال والشباب للمساواة والحرب والديكتاتورية. ويجب أن يكون هناك عمل لا يكل لرفع المستوى السياسي وخلق كادر في المعامل وفي المدارس وشرح دروس التاريخ وطبيعة الرأسمالية ولن يكون هناك نقص في الأشخاص المصممين على النضال في سبيل الاشتراكية .

لكن هذا التصميم  يجب أن يتسلح باستراتيجية توحد نضالات الطبقة العاملة في إطار حركة عالمية في سبيل الاشتراكية .

سيشهد هذا العام الذكرى الثمانين لاغتيال ليون تروتسكي شريك لينين في قيادة  الثورة الروسية ومؤسس الأممية الرابعة على يد عميل ستاليني في العشرين من أغسطس 1940 . وفي السنة الأخيرة من حياته، ركز تروتسكي بشكل كبير على دور القيادة الثورية، كما كتب في الوثيقة التأسيسية للأممية الرابعة، "لقد تحولت الأزمة التاريخية للبشرية إلى أزمة القيادة الثورية". 

والقضية الآن هي بناء اللجنة الدولية للأممية الرابعة على المستوى الدولي وتوسيع أحزاب المساواة الاشتراكية في البلاد التي قامت فيها  وبناء فروع جديدة في البلدان التي لم  تمتلك فيها اللجنة الدولية للأممية الرابعة حتى الآن وجود منظم. إن الأساس التاريخي الراسخ الذي تستند إليه هذه الحركة والمستودع الواعي لتجارب الطبقة العاملة الدولية يجب أن يمضي قدماً عبر تطوير نضالات الطبقة العاملة  وتمهيد الطريق إلى الاشتراكية .

ونحن نبدأ هذا العقد من السنين  تتذكر اللجنة الدولية للأممية الرابعة الكلمات التي اختتم بها تروتسكي الوثيقة التأسيسية للأممية الرابعة :

أيها العمال ، نساءً ورجالاً ، في كل البلدان ادخلوا تحت راية الأممية الرابعة فهي راية انتصاركم القريب!